ادعاء العمق
كتب / عيسى صالح كند
الاربعاء 13 ديسمبر 2023
مع الأحداث المتسارعة التي تجري في عالمنا الإسلامي في الشهرين الماضيين غاص كثير منا في التحليلات السياسية المتنوعة ، و الآراء المختلفة حول ما يجري .
و الكثير من هذه الآراء مستقاة من مصادر لا تقيم للمعيار الشرعي الديني وزنا كبيرا في فهم الأحداث ، و تفسيرها.
بل تجدها مغرقةً في التحليل على ضوء العلاقات الدولية التي تحكمها المصالح الكبرى ( في نظرهم ) كالإقتصاد و صراع القوى ، و كسب النفوذ ، و الصراع من أجل المكاسب الدنيوية البحتة ! وفقط!
و الحقيقة أننا لا يمكن أن نتغافل تلك الأسباب الكبرى ، و نحن نحلل الأحداث الجارية إلا أن المغرق في هذه التحليلات تفوته بعض الأمور الهامة و التي نجملها في النقاط التالية :
أولا : لا يمكن للمحلل المادي البحت أن يُفسر تكالب الدول الكبرى في العالم( و على رأسها أمريكا ) في تسليح ، و دعم الكيان اليهودي في فلسطين بشكل مفتوح ؛ (رغم أن ذلك يكلف ميزانيات تلك الدول مبالغ طائلة و خسائر اقتصادية فادحة قد لا تُعوض بسهولة ) لا يمكن تفسير ذلك بالمصالح الاقتصادية ، و الاستراتيجية فقط دون وضع الجانب الديني في الاعتبار ؛ لأن الدعم المؤدي لخسارة لا يُفسر إلا بأمر ضاغط خارجي على الدولة الداعمة يجعلها تستجيب له مهما كانت الظروف و لا شك أن هذا الأمر هو الدين !
ثانيا : تكرار تأكيد قادة أمريكا (من رئيسهم (الهرِم ) بايدن إلى وزير خارجيتهم الفظ ( بلينكن ) إلى غيرهم من قادة الحرب كوزير الدفاع و غيره) على أنهم يهود بالمقام الأول ، و أن دعمهم للكيان ( النكرة ) هو دعم لأنفسهم ، و لما يؤمنون به .. ذلك التكرار يقرر أن الأصل في المعركة( عندهم) هو الدين ، و أن كل المصالح الأخرى تأتي تبعا له .
ثالثا : الطعن الصريح ، و العداء المعلن لكل ما يحمل كلمة ( إسلام ) – مهما كان حال حاملها ، و مهما كان تطبيقه للإسلام صحيحا أو مشوها – يدل دلالة واضحة أن القوم هدفهم الأكبر إسقاط هذا الدين من قلوب أتباعه ؛ حتى أن المسلم يخشى أن يصرّح بإسلامه أو بدعمه للمسلمين كي لا يُتهم! كل هذا ولا زال منّا من يظن أن الحرب حرب مصالح ، و لا علاقة للدين فيها !
رابعا : إشغال كل قُطر بنفسه ، و محاولة الإعلام إضفاء روح (سايكس بيكو) على أي حدث يجري في بلاد المسلمين ، و ذلك من خلال الفصل التام بين المسلمين ، و إخوتهم في الأقطار الأخرى ، فتجد الدائرة ضاقت من الإنتماء إلى الإسلام في فترات التاريخ السابقة إلى الإنتماء للقوميات ( عربية ، تركية ، أمازيغية …الخ ) ثم ضاقت الدائرة أكثر فأصبحت ( سايكوسبيكية الهوى ) فكل أهل حد بحدهم مشغولون..!! ( فالدماء تسيل و الجيران يتراقصون ، و يحتفلون و لا يشعرون ! ) و هاهي ذي تضيق أكثر فأكثر لينشغل كل أهل عزلة بعزلتهم ؛ فيصبح الحدث الذي لا يفصلك عنه سوى بضعة كيلو مترات لا يعنيك في شيء لأنه ليس في أرضك ؛ و عليه فلا علاقة لك به !.
خامسا : عندما نضع الأمور في نصابها الصحيح ، و نحللها تحليلا شرعيا بعيدا عن مزايدات ( العقلانيين) ، و فلسفات ( المحللين ) ، و قراءات ( المتعمقين) نجد أننا أمام خلل واضح في إدراكنا للأمور ؛ فالدين الإسلامي يقيم أهمية عليا لمبدأ الأخوة الإسلامية ، و الجسد الواحد الذي تتكاتف أعضاؤه للتخفيف من مصابه ، و لو بالكلمة ، و الدعاء … غير أن الإغراق في التحليلات جعل هذا المبدأ الأصيل يتلاشى لدى بعض الناس ؛ فلم يعد يهتم لأمر المسلمين ، و غابت معاني ، و قيم إسلامية أصيلة بسبب هذه التأصيلات المقلوبة ، و التحليلات المعوجة ..
قيم مثل : الإيثار ، و النصرة ، و الأخوة اضمحلت في قلوب البعض ، و السبب هو ما أحب أن أسميه ( ادعاء العمق!)
إننا بحاجة لإعادة برمجة العقل المسلم ليتفاعل مع قضايا أمته بوجه شرعي ينطلق من منطلقات العقيدة الإسلامية الأصيلة ، التي تؤكد على قيم ، و أسس ثابتة لا تتزحزح و على رأس تلك القيم
الولاء للمسلم بقدر إسلامه مهما كان فيه من العصيان ، و البراءة من الكافر و عدم مظاهرته ، و لا معاونته على المسلم إن بكلمة أو دفاع أو حتى سكوت و رضى بالقلب.
فلا يستقيم مطلقا – بأي حال من الأحوال- لمسلم أن يتمنى ولو بقلبه نصر يهودي على مسلم ، و لا مشرك على موحد مهما كانت الخلافات .
ثم لا يستكثر المسلم على نفسه أن يدعم أخاه ، ولو بكلمة طيبة أو دعوة صادقة ، فالناس تضحي بدمائها ضد ألد أعداء الأمة ، و ما أكثر المنتقدين من القاعدين !!
وهل يستوي القاعدون ، و المجاهدون؟!!
فلا ندع ( ادعاء العمق) يضيع علينا ( القضية ) ، و اللذة بالنصرة !






