يا غزة أخذتي العزم بقوة !!
كتب/ صبري يسلم صويلح
الثلاثاء 21 نوفمبر 2023
وكأن الحروف التي كُتبت بها سيَر التاريخ والمغازي لصدر الإسلام فملأت المكتبات . هي الآن تثور مذعورة كالبركان من سطورها ، لتتجسم شخوصا ووقائعا وأماكن حية .. فإني إذ كنتُ قد قرأتُ على امتداد معرفتي ، تاريخ فيه عمر بن الخطاب فاروق ، وفيه خالد بن الوليد سيف مسلول ، وفيه أبو دجانة ذو العصابة الحمراء فارس مقدام ، وفيه وفيه. فهذا أنا أشاهد اليوم فاروق غزة .. وسيف غزة .. وفارس غزة ذو العصابة الخضراء عيانا ، عيانا ، عيانا . حتى ليتمادى بي الطموح المبالغ أني سأدهش برسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث ثانية من أحد زوايا غزة وهو يشير أن يا مجاهدي القسام خذوا الميمنة . ويا آخرون خذوا الميسرة . وأن يا رماة اثبتوا مكانكم ، وأن يا أهل الراية : الراية ..
ما غزة اليوم إلا حديبية مكة ، وعين بدر ، وجبل أحد ، وخنادق الأحزاب .. أحداث الأمس التاريخية ، هي وقائع اليوم الشاخصة .. خيول وسيوف وسهام ونبال هي أدوات معارك غزوات الرسول وسراياه . هي اليوم قذائف ياسين ، وعبّوات ، وناسفات وصواريخ ، وهي أدوات معارك اليوم في غزة . هي هناك أسلحة مباركة بأيادي راميها وبقوة باريها (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) وهي اليوم كذلك مباركة بإيمان وعقيدة راميها ، وبمعية جند السماء وسجلّيها .. وإلا ما عسى قذيفة ، أو حشوة ، أو قداحة لا تساوي الصفر من قيمة الميركافا ، أو عربة النمر ، أو جرافة العدو المجنزرة . فإذا بها وبحول الله بمسافة الصفر تذهب زبدا جُفاء يركنها صرير الريح خاوية في قارعة المعركة تلتهب شرارات صُفِر . والحقيقة ما هي إلا قوة الله المندفعة مع هذه القذيفة حينما رماها المجاهد القسامي الغزاوي ..
ويسقط الشهيد والشهيد ، وهي سنن الله قضاها أن يتخذ منكم شهداء ، ولكن هنيئا فشهداء معارك وغزوات صدر الإسلام المثخنين بدمائهم الزكية . هم اليوم يصطفون في صفوف على مراسيم الاحتفال والاستقبال بشهداء اليوم . فيستبشرون بهم ويبشرونهم ..
يا غزة اليوم ، ما أنتي إلا مدينة رسول الله حين ذاك .. فإن كنتي يوم ذاك يا مدينة رسول الله ناصرة الدعوة ومحضنها . فغزة اليوم عزة الأمة وعودتها !! ..
لا تحتاجي يا غزة لنصيرٌ أسير .. فنصيرك الله ، وكفى بالله نصيرا .. لا تحتاجي يا غزة لمدد الأصنام وجيوشهم . فإن خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة . لا تحتاجي ياغزة لمنظمات عوراء ، وحقوق إنسان عرجاء ، ومجلس أمم منسدح . فمعك يا غزة عدل السماء . فحينما يأتيك تكون الجراح قصاص .. فإن خرّوا عليك السقف ، فيأتي الله بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَيخِرُّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ .. إنما الحرب سجال .. فإن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون – غير أنكم – ترجون من الله ما لا يرجون .. لا تحتاجي ياغزة لرفَحَهم ومعابرهم ، فإن هم خذلوك فيها ، فإنما خذلوا أنفسهم وعروا إيمانهم . فليس الإيواء إيواءهم ، وليس الغوث غوثهم ، وليس اللطف إلا لطفك يالله.. فالله اللطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز . إنه الرزاق ذو القوة المتين .. و لا أزكي أهل غزة فإيمانهم وتقواهم حري ليفتح الله عليهم بركات من السماء والأرض .. لا تحتاجي ياغزة من يخاف عليك أن يُكشَفَ ظهر مجاهديك للعدو . أو تُكشَفَ متارسهم ومداخل أنفاقهم – لغزو عدوهم – وقد جعل الله من بين أيدي عدوهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون . ثم عززهم الله تحصين واطمئنان أن أنزل عليهم السكينة وأيدهم بجنود لم يروها . فواراهم عن أعين عدوهم فلا يرونهم .. اقرؤوا آيات الله فكأنما اليوم هي تتنزل تباعا ..
إذن أنتي ياغزة لا تحتاجي إلا أن تفيقينا من سُباتنا وغفلتنا. وهذا الدور الذي اصطفاه البارئ لك ، أن تفيقي أمة الإسلام قاطبة . فأنتي الطائفة التي بأكناف بيت المقدس التي لا تزالي على الحق ظاهرة ، لعدوك قاهرة .. وما أنتي ذا يا غزة إلا قد أخذتي بعزم هذا التكليف وما أنتي ذا ياغزة إلا مضطرة أن تدخلي أمتك غرفة غزة ، غرفة الإفاقة والإنعاش في عملية قلب مفتوح هو قلب الأمة العظيم . لتخرجي منه حظ الشيطان ، وتغسلي منه وهن الدنيا وكراهية الموت . وإنها لعملية لا محالة تتطلب لدم أن يُهراق .. وما هذه الدماء التي تملأ المشافي والساحات والشوارع وركام الدور والمنازل من جرحك الغائر يا غزة – وهي تألمنا وتحزننا – إلا ضريبة طهر قلوبنا واستفاقتها وإيمانها إن شاء الله.. فلعلها تستفيق من حالة الوهن ، وتذود عن ذئاب القصعة أن تأكل من قصعتها ..
وختام ؛ لك ياغزة من ربك السلام ، ولنا العذر يا غزة – نحن الشعوب وقد حبسونا الطغاة – أن تولينا وأعيننا تفيض من الدمع حزنا أن لا نجد ما يحملنا إليكم ولا ما ننفقه لكم !! …






