اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

القضية الجنوبية في زمن التحولات الإقليمية: من الارتهان للخارج إلى استقلالية القرار السياسي

القضية الجنوبية في زمن التحولات الإقليمية: من الارتهان للخارج إلى استقلالية القرار السياسي

الجمعة 6 نوفمبر 2026م
بقلم/ عوض باشعيوث

تمر المنطقة بمرحلة من التحولات السياسية والاستراتيجية التي تعيد تشكيل موازين القوى والتحالفات الإقليمية، وتفرض على القوى السياسية الجنوبية إعادة النظر في طبيعة علاقاتها الخارجية وأدوات تحركها السياسي والدبلوماسي. وفي ظل هذه التحولات، لم يعد مستقبل القضية الجنوبية مرتبطاً فقط بمدى قدرتها على الاستفادة من مواقف الحلفاء الإقليميين، بل بمدى قدرتها على امتلاك رؤية سياسية مستقلة ومرنة تستوعب المتغيرات وتتعامل مع مختلف الاحتمالات.
تكمن إحدى أبرز الإشكاليات التي تواجه القوى الجنوبية في طبيعة ارتباطها المكثف بمسارات إقليمية محددة، الأمر الذي قد يجعل قدرتها على المبادرة والتحرك السياسي مرتبطة بحسابات الأطراف الخارجية وتوجهاتها. فالشراكات الإقليمية، مهما بلغت أهميتها، ينبغي ألا تتحول إلى قيد على القرار الوطني الجنوبي، أو تجعل مستقبل المشروع السياسي رهينة لتغير المصالح والتفاهمات بين القوى المؤثرة في المنطقة.
إن حماية القضية الجنوبية ومكتسباتها السياسية تتطلب بناء استراتيجية أكثر مرونة في إدارة العلاقات الخارجية، تقوم على تنويع الشراكات السياسية والعسكرية والأمنية، والانفتاح على مختلف القوى الإقليمية والدولية، وفق قاعدة المصالح المتبادلة والاحترام السياسي. فالعلاقات الخارجية الناجحة ليست تلك التي تحصر خياراتها في طرف واحد، وإنما التي تمنح المشروع الوطني مساحة أوسع للحركة والمناورة، وتحافظ على استقلالية قراره وقدرته على التعامل مع التحولات دون أن يفقد ثوابته وأهدافه.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية مراجعة أدوات التحرك الدبلوماسي الجنوبي، والانتقال من سياسة انتظار المواقف الإقليمية إلى امتلاك المبادرة وصياغة المواقف والخيارات. فالجنوب، بحكم موقعه الجغرافي والاستراتيجي وإشرافه على ممرات بحرية بالغة الأهمية، يمتلك مقومات تؤهله ليكون طرفاً فاعلاً في نقاشات أمن المنطقة واستقرارها، وليس مجرد ساحة تتقاطع فيها مصالح الآخرين.
غير أن امتلاك هذه المقومات لا يكفي وحده لصناعة حضور سياسي مؤثر، ما لم يتحول إلى رصيد دبلوماسي منظم، يستند إلى مؤسسات سياسية قادرة على التواصل وبناء العلاقات وصياغة المبادرات، وإلى خطاب دبلوماسي منضبط يعكس وضوح الرؤية والموقف، ويقدم القضية الجنوبية باعتبارها قضية سياسية ذات أبعاد وطنية وإقليمية، تستحق التعاطي الجاد والمسؤول.
كما أن بناء الشراكات الخارجية ينبغي أن ينطلق من إدراك أن المصالح الإقليمية والدولية متغيرة، وأن التحالفات لا تستمر بالضرورة على وتيرة واحدة. ولذلك فإن الرهان الحقيقي يكمن في قدرة القوى الجنوبية على إدارة علاقاتها بوعي سياسي، وتوسيع خياراتها، وتجنب تحويل الخلافات أو التنافسات الإقليمية إلى عوامل ضغط على مسار قضيتها ومستقبل شعبها.
إن المرحلة الراهنة تضع القوى الجنوبية أمام استحقاق سياسي يتجاوز حدود المناورة الآنية، ويتمثل في الانتقال من ردود الفعل إلى صناعة الفعل، ومن محدودية الخيارات إلى رحابة الدبلوماسية، ومن الاعتماد المفرط على التوازنات الخارجية إلى بناء قدرة وطنية مستقلة على المبادرة والتأثير.
فالقوة الحقيقية للموقف الجنوبي لا تقاس فقط بمدى تغير الظروف الإقليمية لصالحه، وإنما بقدرته على استثمار المتغيرات، وإدارة علاقاته، وتوسيع دوائر شراكاته، وصيانة قراره السياسي من الارتهان لأي طرف خارجي.
إن مستقبل القضية الجنوبية يتطلب مشروعاً وطنياً يمتلك رؤية استراتيجية واضحة، ويوازن بين الشراكة الإقليمية واستقلالية القرار، وبين متطلبات الأمن والمصالح السياسية وحق شعب الجنوب في تقرير مستقبله السياسي.
ففي زمن التحولات الكبرى، لا يكفي أن تكون للقضية حلفاء، بل يجب أن تمتلك مشروعاً قادراً على الاستمرار، ورؤية تستطيع التكيف، وإرادة سياسية تعرف كيف تحوّل موقعها الجغرافي وأهميتها الاستراتيجية وعلاقاتها الخارجية إلى عناصر قوة وتأثير.
فالجنوب الذي يمتلك قراره، ويوسع خياراته، ويحسن إدارة شراكاته، هو الأقدر على حماية قضيته وصناعة مستقبلها.

إغلاق