نهد ليست وحدها.. والصمت اليوم ثمنه غداً
بقلم المقدم/مالك بلعليمي الجابري
الجمعة 6 نوفمبر 2026
على خلفية ما شهدته مناطق نهد – الخشعة من استحداث نقطة عسكرية وثكنات وسط الأحياء السكنية، وما أعقب ذلك من منع أبناء المنطقة من التجمع السلمي للمطالبة بإزالتها واحتجاز عدد منهم، وما تضمنه بيان الحكم الدكتور عبدالرب بن ثابت النهدي من دعوة إلى اجتماع عاجل لمناقشة هذه التجاوزات، تبرز أمام حضرموت قضية تتجاوز حدود نهد ومطالب أبنائها، لتضع الجميع أمام مسؤولية لا تحتمل الصمت أو التفرج.
يقول المثل الحضرمي: «إذا رأيت أخوك يحلق، فأنت نقّع»، وهو مثل يختصر حقيقة اجتماعية لا ينبغي أن تغيب عن أذهاننا؛ فما يحدث اليوم في ديار نهد ليس شأناً خاصاً بقبيلة نهد وحدها، ولا قضية يمكن لبقية قبائل حضرموت الوقوف منها موقف المتفرج، بل هو اختبار حقيقي لما تبقى من مكانة القبيلة واعتبارها، وما إذا كانت حضرموت لا تزال تمتلك من الإرادة والهيبة ما يجعل صوت أبنائها مسموعاً.
فإذا مرّت هذه التجاوزات دون موقف حازم، فإننا عملياً نمنح الضوء الأخضر لتكرارها في مناطق أخرى، ونفتح الباب أمام سياسة فرض الأمر الواقع، لتصبح كل منطقة عرضة لما قد تقرره هذه القوات دون اعتبار لخصوصيتها الاجتماعية أو إرادة أبنائها.
والمؤسف أن استفزازات قوات الطوارئ الشمالية، نعم الشمالية، التي باتت تفرض حضورها العسكري على امتداد حضرموت، تكشف عن جهل واضح بطبيعة المجتمع الحضرمي وتركيبته القبلية والاجتماعية، وكأن من يتخذ هذه القرارات لا يدرك أن حضرموت ليست أرضاً بلا أهل، ولا مجتمعاً يمكن التعامل معه بمنطق الأوامر العسكرية والاستفزازات وفرض الهيمنة. فالأمن لا يُبنى باستفزاز المجتمعات، ولا تُفرض هيبة الدولة بوضع الثكنات وسط منازل المواطنين، ولا يتحقق الاستقرار بمنع الناس من التعبير السلمي عن رفضهم لما يرونه انتهاكاً لحقوقهم.
إن أخطر ما في هذه الممارسات ليس مجرد استحداث نقطة عسكرية أو بناء ثكنات في موقع غير مناسب، بل ما قد يترتب عليها من احتقان اجتماعي وتوترات لا تُحمد عقباها، خصوصاً في ظل غياب المعالجات الجادة، واستمرار سياسة التجاهل والتسويف. فالصبر الذي يتحلى به أبناء حضرموت لا ينبغي أن يُفسّر على أنه ضعف، والحكمة التي يحرصون عليها لا تعني قبول الإهانة أو التنازل عن الحقوق.
لكن، وبكل أسف، فإن ما يثير القلق أكثر من هذه التجاوزات هو هذا الصمت العميق والخمول غير المبرر من جانب كثير من مشايخ ومقادمة ووجاهات حضرموت وزعاماتها القبلية والاجتماعية. فأين مواقفهم؟ وأين دورهم في حماية مجتمعاتهم والدفاع عن حقوق أبنائها؟ وأين حضورهم حين تكون القضايا متعلقة بكرامة الناس وأمنهم واستقرارهم؟
لقد أصبحنا نشاهد بعض من تصدّروا واجهة المشهد الحضرمي منشغلين بالسفريات والاجتماعات واللقاءات الخارجية، وجنيف وغيرها، وكأن تلك المشاركات أصبحت غاية بحد ذاتها، بينما تتراجع القضايا الحقيقية التي من المفترض أن يكونوا في مقدمة المدافعين عنها. فماذا تعني الوجاهة إن لم تكن موقفاً عند الشدائد؟ وما قيمة المشيخة والمقدّمية إن لم يكن صاحبها حاضراً حين يحتاج إليه مجتمعه؟
وإن مرور قضية نهد دون حل منصف، ودون موقف حضرمي جامع، لن يكون مجرد إخفاق في معالجة قضية محلية، بل سابقة خطيرة قد تستند إليها هذه القوات مستقبلاً في التعامل مع بقية المناطق والقبائل بالطريقة ذاتها، مستفيدة من غياب الدولة القادرة على فرض القانون، وضعف القيادات السياسية، وتهالك مؤسسات السلطة، وغياب موقف موحد من الزعامات والوجاهات الحضرمية.
وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل ما زالت لحضرموت زعامات حقيقية تحظى بثقة المجتمع واحترامه، أم أننا أمام واجهات اجتماعية وسياسية فقدت صلتها بقضايا الناس، ولم يعد لها من الحضور سوى الألقاب والمظاهر؟ لقد أصبح بعض هؤلاء أشبه بسفراء لكيانات هشة، لا يملكون قراراً ولا تأثيراً، ولا يستطيعون انتزاع أبسط حقوق مجتمعاتهم، فضلاً عن حماية مصالح حضرموت الكبرى.
إننا لا نطالب بمواجهة أو تصعيد، ولا ندعو إلى تجاوز القانون، بل نطالب بموقف مسؤول يحفظ الحقوق ويمنع الانزلاق نحو صراعات لا يريدها أحد. لكننا في الوقت ذاته نرفض أن تتحول الحكمة إلى استسلام، والتعقل إلى صمت، والوجاهة إلى مجرد لقب بلا مضمون.
قضية نهد اليوم ليست قضية نهد وحدها؛ إنها قضية كل قبيلة وكل منطقة وكل حضرمي يدرك أن السكوت عن انتهاك حقوق الآخرين هو تمهيد لانتهاك حقوقه غداً.
فإما أن تدرك حضرموت اليوم خطورة ما يجري، وتوحد موقفها لحماية حقوق أبنائها وكرامتهم، وإما أن تنتظر حتى يأتي الدور على كل منطقة وقبيلة، وحينها قد لا تجد من يقف معها.






