حين تتراجع الدولة.. يتقدم العبث، وحين تتوحد الإرادة تبدأ معركة استعادة الوطن
بقلم: محمد سعيد كلشات
لا أدري من أين أبدأ؛ من واقعٍ تتكاثر فيه الممارسات غير المنطقية، أم من أصواتٍ لا تجد في المشهد سوى النقد والتشكيك وإثارة الجدل، دون أن تقدم رؤية واضحة أو حلولًا عملية، وكأن غاية البعض ليست إصلاح الخلل، بل الاستمرار في صناعة الأزمات، خصوصًا حين تتعارض مصالحهم الشخصية مع مقتضيات التغيير والإصلاح.
لقد أصبح من المؤسف أن تتقدم اعتبارات المصلحة الضيقة والوجاهة الاجتماعية، وأحيانًا الشهادات التي لا تسندها الكفاءة والخبرة، على حساب العمل المؤسسي والمسؤولية الوطنية. فليست المكانة الاجتماعية، ولا الشهادة العلمية، ولا القدرة على انتقاد الآخرين، دليلًا كافيًا على الكفاءة؛ إنما المعيار الحقيقي هو ما يقدمه الإنسان من عملٍ نافع، ومواقف مسؤولة، وإسهامٍ ملموس في معالجة قضايا المجتمع.
وأدرك أن بعض من يقرأ هذه السطور قد يرى أنها لم تتناول قضية بعينها، أو لم تتعمق في تفاصيل مشكلة محددة هنا أو هناك. غير أن ما يدفعني إلى الكتابة هو أن المشهد العام بات مثقلًا بالتراجع، من سوءٍ إلى أسوأ، ومن أملٍ محدود إلى واقعٍ أكثر قتامة. ولعل الصمت عن هذا الواقع، أو التعايش معه دون موقف، يمثل في حد ذاته أحد أوجه المشكلة. ومن هنا تأتي هذه الكلمات تعبيرًا عن موقفٍ ومسؤولية، لا مجرد تفريغٍ لما يعتمل في النفس من ضيق.
غير أن القضية الوطنية الكبرى التي ينبغي ألا تغيب عن الوعي أو تتراجع في سلم الأولويات، هي استعادة الدولة اليمنية ومؤسساتها، وإنهاء الانقلاب الحوثي الذي صادر إرادة اليمنيين وأدخل البلاد في دوامة من الصراع والانهيار.
فلا يمكن الحديث عن استقرارٍ حقيقي، أو تنميةٍ مستدامة، أو مستقبلٍ آمن للأجيال، في ظل استمرار الانقلاب على مؤسسات الدولة. كما أن مخرجات الحوار الوطني، بما تضمنته من تصورات لبناء الدولة المدنية الحديثة، تمثل مرجعية وطنية مهمة ينبغي أن تكون منطلقًا لأي مشروع جاد لاستعادة الدولة وإعادة بناء مؤسساتها على أسسٍ من العدالة والشراكة وسيادة القانون.
إن مواجهة المشروع الحوثي ليست مسؤولية طرفٍ بعينه، ولا قضيةً تخص حزبًا أو مكونًا سياسيًا دون غيره؛ بل هي مسؤولية وطنية جامعة، تتطلب توحيد الصفوف، وتجاوز الخلافات الثانوية، وتوجيه الجهود والإمكانات نحو الهدف الأسمى استعادة الدولة، وصون الجمهورية، وإنهاء معاناة اليمنيين. وكلما انشغلنا بالصراعات الجانبية، اتسعت مساحة العبث، وتراجعت فرص الخلاص الوطني.
أما المشكلات التي تُثار اليوم، فإنها، مهما تعددت أسبابها، تظل قضايا قابلة للمعالجة متى توفرت الإرادة الصادقة، والرؤية الواضحة، والقدرة على اتخاذ القرار. فلكل مشكلة حل، ولكل اختلال معالجة، لكن الحلول لا تصنعها الأصوات التي تتغذى على الأزمات، ولا أولئك الذين يرون في استمرار المشكلات وسيلةً لتعزيز حضورهم أو تحقيق مصالحهم.
ومن أخطر ما يواجه المجتمع اليوم أن قضايا الفساد أصبحت لدى البعض وكأنها معادلة محكومة بالقبول بأقل الفاسدين فسادًا، بدلًا من السعي إلى بناء منظومة نزيهة وفاعلة. وهذه النظرة ليست سوى انعكاسٍ لحالة الإحباط التي صنعتها المعالجات الترقيعية، والقرارات المؤقتة، والحلول التي تؤجل المشكلة بدلًا من إنهائها.
لقد تراجعت الثقة في كثير من المعالجات، وأصبح المواطن يتساءل هل ثمة أمل في تغيير حقيقي؟ وهل يمكن أن تأتي مرحلة تتقدم فيها الكفاءة على المحسوبية، والنزاهة على المصالح، والقانون على الاعتبارات الشخصية؟
إن الإجابة عن هذه التساؤلات لا تكون بالخطابات وحدها، بل بإعادة بناء منظومة إدارية و مؤسسية جديدة، تقوم على معايير واضحة، وتدابير حازمة، ورقابة فاعلة، ومحاسبة عادلة. ومن الضروري ألا يُعهد بمعالجة الاختلالات إلى من كانوا جزءًا منها، أو أن تُدار الإصلاحات بعقلية المصالح ذاتها التي أنتجت المشكلة.
كما أن قضايا الناس، وحقوقهم، ومصالحهم اليومية، لا ينبغي أن تكون ميدانًا للفوضى أو الاجتهادات الارتجالية، ولا أن تُترك رهينةً للأصوات الانفعالية أو الآراء غير المستندة إلى معرفة. فالدولة لا تُدار بمنطق أنا أرى، وأنا أعتقد، وأنا أريد؛ وإنما تُدار بالقانون، واللوائح المنظمة، والدراسات، والتقييم، والاستفادة من التجارب الناجحة.
وليس عيبًا أن تبدأ الإصلاحات بخطواتٍ تدريجية، ما دامت تسير في الاتجاه الصحيح؛ فالوصول إلى نموذجٍ مثالي لا يتحقق دفعةً واحدة، وإنما عبر مسارٍ منظم، تتراكم فيه الإجراءات الصحيحة وتُصحح فيه الأخطاء. وقد تكون بعض القرارات الإصلاحية حازمة، وربما تثير اعتراضاتٍ أو تحدث ارتباكًا مؤقتًا في بعض الأوساط، غير أن ذلك لا ينبغي أن يكون مبررًا للتراجع متى كانت القرارات قائمة على القانون، وتستهدف المصلحة العامة، وتراعي حقوق المواطنين.
إن رجل الدولة الحقيقي لا يبحث عن إرضاء الجميع على حساب المصلحة الوطنية، ولا يهرب من القرارات الصعبة، بل يتحمل مسؤوليتها، ويوازن بين الحقوق والواجبات، ويضع مستقبل المجتمع فوق الاعتبارات الشخصية والسياسية الضيقة.
وفي هذا السياق، فإن من الضروري التعامل بوعيٍ ومسؤولية مع الدعوات التي ترفع شعارات الحقوق أو مكافحة الفساد، دون أن يعني ذلك التقليل من الحقوق المشروعة أو رفض المطالب العادلة. فالمطالبة بالحقوق حقٌ أصيل، ومكافحة الفساد واجبٌ لا يقبل المساومة، لكن العبرة ليست بالشعارات وحدها، بل بصدق الغايات، ونزاهة الوسائل، والقدرة على تقديم حلولٍ حقيقية.
فليس كل من رفع شعار الإصلاح مصلحًا، وليس كل من انتقد الواقع يمتلك مشروعًا للتغيير، كما أن المطالب العادلة قد تُستغل أحيانًا لتصفية الحسابات أو خدمة مصالح ضيقة، سواء من داخل مؤسسات الدولة أو من خارجها. ومن هنا تبرز أهمية الوعي الشعبي، والتمييز بين من يسعى إلى بناء الدولة، ومن يريد توظيف أزمات المجتمع لتحقيق مكاسب خاصة.
لقد آن الأوان لأن ننتقل من إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول، ومن استنزاف الجهود في الخلافات الجانبية إلى توحيدها في معركة استعادة الدولة، ومن الارتهان للأشخاص والمكونات إلى الاحتكام للمؤسسات والقانون.
إن مستقبل اليمن لا يُبنى على إخفاقات الماضي، ولا على المصالح العابرة، ولا على الأشخاص الذين لم يقدموا سوى المزيد من التعقيد والفشل، بل يُبنى بإرادة وطنية صادقة، وقيادات تمتلك الكفاءة والنزاهة، وشعبٍ يدرك أن استعادة الدولة ليست شعارًا سياسيًا، وإنما ضرورة وجودية لحماية الوطن وصون كرامة أبنائه.
فلنعمل من أجل مستقبلٍ يليق بأبنائنا، لا من أجل مصالح أشخاصٍ أو مكوناتٍ استنزفت الوطن ولم تقدم له ما يستحق. ولنجعل من وحدة الصف، والوعي الوطني، والإصلاح المؤسسي، ومقاومة الانقلاب الحوثي، أولوياتٍ لا تقبل التراجع أو المساومة.
فالأوطان لا تنهض بالضجيج، ولا تُستعاد بالانقسام، ولا تُبنى بالمصالح الضيقة؛ وإنما تنهض حين تتقدم المسؤولية على المصلحة، والكفاءة على المحسوبية، والوطن على كل اعتبار.






