متعة الحوار… حين تصبح المطارحة الفكرية إحدى ملذات الروح
بقلم / د. أحمد بن عبدالله باصهي
أكاديمي وباحث في علم الاجتماع الإداري
كتب كثيرون عن الحوار وآدابه، وتقنياته وضوابطه، وعن فن الإصغاء وإدارة الاختلاف ووسائل الإقناع. غير أن جانبًا آخر من الحوار يستحق أن نلتفت إليه، لا بوصفه مهارةً نكتسبها، أو وسيلةً نحقق بها غاية، وإنما باعتباره متعةً عقليةً ووجدانيةً قائمةً بذاتها؛ متعةً تجعلنا نشتاق إلى الحديث كما نشتاق إلى لقاء الأحبة، ونغادر مجالس المطارحة وفي نفوسنا رغبةٌ في معاودتها.
ولعل من أجمل ما يُروى في أدب الكلام ذلك التنبيه إلى أن الحديث، وإن كان حسنًا كله، ينبغي ألا يتجاوز قدر نشاط السامع واحتماله؛ لأن غاية المتكلم انتفاع المستمع.
وهي حكمةٌ تضع يدها على حقيقةٍ يغفل عنها كثيرون: أن جودة الكلام لا تُقاس بما يراه المتكلم في حديثه من جمال، وإنما بما يحدثه في نفس مستمعه من أثر.
ولكن ماذا لو كانت المتعة نفسها وجهًا من وجوه الانتفاع؟ وماذا لو تجاوز الحديثُ وظيفته في نقل المعلومات إلى صناعة البهجة، وإيقاظ العقول، وتوثيق عرى المودة؟
*حين تتعانق العقول*
إن تبادل أطراف الحديث مع الأذكياء من أرقى متع الحياة وملذات الروح، حتى وإن لم تتوافق الأفكار على وجه التمام.
فما أمتع أن تجد محاورًا يلتقط فكرتك قبل أن تتمها، أو يستخرج منها معنى لم يخطر لك، أو يتظاهر بمخالفتها، وكلاكما يدرك أن وراء تلك المخالفة مناورةً لطيفةً أو مشاكسةً فكريةً تستدرج مزيدًا من المعاني!
وفي أدبيات التراث ما يشير إلى هذه اللذة؛ فقد أُثرت أقوال تحتفي بمجالسة من ينتقون أطايب الكلام، كما ينتقى أطايب الثمر، وبمذاكرة الرجال بوصفها سبيلًا إلى إخصاب العقول.
وفي رواية «الإخوة كارامازوف» لدوستويفسكي، يرد عنوان فصل يمكن ترجمته: «الحديث مع رجل ذكي يستحق العناء دائمًا». وهي عبارةٌ تستوقفنا بما تومئ إليه من قيمة اللقاء العقلي، وإن كان سياقها الروائي أوسع من هذا المعنى.
غير أن الذكاء، على ما فيه من جاذبية، ليس وحده ما يصنع متعة الحوار؛ فكم من ذكيٍّ أفسد مجلسًا باستعلائه، وكم من واسع المعرفة جعل الحديث معه عبئًا على الأرواح!
*التواضع… إكسير الحوار*
التواضع إكسيرٌ لامتداد الحوار، بل هو الروح التي تمنحه الحياة.
فالذكاء يشعل جذوة الحديث، ولكن التواضع يحفظها من الانطفاء.
وحين يدخل أحد المتحاورين المجلس مدعيًا الإحاطة بكل شيء، معتقدًا أن الآخرين ليسوا إلا أوعيةً تنتظر أن يملأها بمعرفته، فإنه يُفرغ الحوار من جوهره التشاركي، وإن أبقى على اسمه.
ولعل اللغة العربية قد أومأت إلى هذا المعنى في صيغ المحاورة والمناقشة والمطارحة والمشاركة، وهي ألفاظٌ تحمل في أبنيتها ودلالاتها معنى المقابلة والتفاعل، وإن لم تكن المشاركة لازمةً لكل استعمال من استعمالات صيغة المفاعلة.
فأين التبادلية إذا استأثر أحد الطرفين بالكلام، وجعل من نفسه المتحدث والمستمع والحَكَم؟
إنه لا يحاور، بل يحاضر؛ ولا يشارك، بل يستأثر؛ ولا يبحث عن المعنى، بل يطلب من الآخرين الإقرار بما يراه.
وليس التواضع تنازلًا عن المعرفة، وإنما اعترافٌ بأن المعرفة أوسع من أن يحتكرها عقلٌ واحد.
فالحوار الذي يغيب عنه التواضع قد يستمر كلامًا، لكنه يتوقف مشاركةً.
*المعنى أولًا… لا المتحاورون*
ولعل أعمق أسرار متعة الحوار أن تعلو قيمة المبحوث عنه على رغبة الباحثين في إثبات ذواتهم.
فحين يجتمع المتحاورون بحثًا عن فهمٍ جديد، أو معنى فريد، أو زاويةٍ لم يُنظر من خلالها إلى الأشياء من قبل، تتحول المطارحة إلى رحلة اكتشافٍ مشتركة، ويصبح الاستدراك هدية، والاعتراض فرصة، والسؤال نافذةً على أفقٍ جديد.
وهنا تتراجع شهوة الانتصار للنفس أمام لذة الانتصار للمعنى.
فليس أجمل الحوارات ما ينتهي بإعلان غالبٍ ومغلوب، بل ما ينتهي وقد اتسعت آفاق الجميع.
وقد يدخل المرء الحوار بفكرةٍ يملكها، ثم يخرج منه بأفقٍ لم يكن يراه.
بل ربما كانت أمتع المطارحات تلك التي نغادرها بأسئلةٍ أكثر مما دخلنا به من أجوبة!
*حين تنهزم الساعة أمام المتعة*
وللحوار الممتع زمنه النفسي الخاص؛ ذلك الزمن الذي لا تعود فيه عقارب الساعة مقياسًا كافيًا لما نعيشه.
فكم من مجلسٍ طال حتى أثقل الأرواح، وكم من مطارحةٍ امتدت ساعاتٍ ولم يشعر أصحابها إلا أنهم ما زالوا في أول الحديث!
إن الساعة تقيس مدة الحوار، لكنها لا تقيس كنهه وجوهره ومحتواه.
وحين تستغرق العقول في لذة الاكتشاف، وتتداعى المعاني بعفويةٍ وصفاء، يبدو الزمن كأنه يتسمّر في مكانه، لا لأنه توقف، بل لأن المتحاورين كفّوا عن مراقبته.
فالمتعة لا تعترف بالزمن وحده مقياسًا، وإنما تحتكم إلى عمق الحضور، وكثافة المعنى، وثراء التجربة.
في الحوارات الممتعة لا تتوقف عقارب الساعة، وإنما يكفُّ القلب عن عدِّها.
*هدايا عاجلة… وعوائد متراكمة*
ولمتعة الحوار هداياها العاجلة وعوائدها المتراكمة.
فأما الهدايا العاجلة، فهي بهجة الاكتشاف، ولذة المشاكسة، ودفء الألفة، ونشوة الوصول إلى معنى جديد.
وأما العوائد المتراكمة، فتلك الأرباح الوجدانية التي تتنامى في أرصدة المحبة والاحترام والثقة، حتى يغدو كل لقاءٍ استثمارًا جديدًا في علاقةٍ تزداد رسوخًا وثراءً.
وما إن ينفض المجلس حتى يترك وراءه ثقبًا من الشوق، لا يملؤه إلا تجدد اللقاء واستئناف الحوار.
وهنا تتجلى مفارقةٌ جميلة؛ ففي الاقتصاد المادي قد ينقص الرصيد بكثرة الإنفاق، أما في اقتصاد المودة والمعرفة فإن العطاء نفسه قد يزيد الرصيد.
فالحوار الجميل لا ينتهي حين يسكت المتحاوران، بل يواصل عمله في أعماقهما، كأن المعاني التي تبادلاها تظل تُثمر بعد انفضاض المجلس.
*زكاة المعرفة… وميراث الأجيال*
وللمعرفة اقتصادٌ عجيب؛ فهي من الأصول التي لا يستنزفها الإنفاق، بل قد يزيدها البذل رسوخًا وامتدادًا.
وزكاتها أن تُتداول، وأن تُعرَّض للأسئلة، وأن يُفتح بها بابٌ لعقلٍ آخر.
فالمعرفة التي نحتفظ بها لأنفسنا قد تقف عند حدود أعمارنا، أما التي نبذلها ونتشاركها فإنها تكتسب فرصةً لحياةٍ أطول، تتجاوز أصحابها إلى أجيالٍ لم يلتقوا بهم.
ولا يقتصر هذا الإرث على نقل المعلومات؛ بل يمتد إلى توريث طرائق التفكير، ومهارات السؤال، وشجاعة المراجعة، ومتعة البحث عن المعنى.
وتلك هي التشاركية السخية التي تبدأ بمن يليك، ثم تمتد إلى من يأتي بعدك.
فليس أعظم من أن يترك المرء وراءه عقلًا تعلّم منه كيف يفكر، لا ماذا يفكر فحسب.
وهكذا تبدأ متعة الحوار لذةً شخصية، ثم تتحول إلى مودةٍ إنسانية، وتنتهي ميراثًا معرفيًا وحضاريًا.
ولعل أجمل الحوارات ما لا ينتهي بانفضاض المتحاورين؛ بل يواصل حياته في عقلٍ استنار، وقلبٍ ازداد مودة، وجيلٍ ورث السؤال.
فبعض الأحاديث لا نذكر كل ما قيل فيها، ولكننا لا ننسى أبدًا كيف شعرنا ونحن نخوضها، ولا كم أصبحنا بعدها أكثر شوقًا إلى لقاءٍ آخر.






