هل يهزم الحبرُ الدم؟.. قليلٌ من الوعي يحقن كثيرًا من الدماء
بقلم / د. أحمد بن عبدالله باصهي
أكاديمي وباحث في علم الاجتماع الإداري
يقول أبو تمام في بائيته الشهيرة:
السيفُ أصدقُ أنباءً من الكتبِ
في حدِّه الحدُّ بين الجدِّ واللعبِ
لعل أبا تمام، وهو يحتفي بانتصار السيف في سياقه التاريخي ويعزو إليه صدق الفعال في مقابل زيف المقال المبثوث في بطون كتب المنجمين حينذاك إلا أنه لم يكن يتصور أن هذا البيت من الشعر سيظل بعد قرون يستفز سؤالًا حضاريًا لم تحسمه البشرية بعد: هل يهزم الحبرُ الدم؟
وهل كان السيف سيحتاج إلى كل تلك المساحات من التاريخ لو أن الكتب قُرئت بوعي، وفُهمت بعمق، وتحولت معارفها إلى حكمةٍ وعدلٍ وحسن تدبير؟
ودواةٌ من الحبرِ تحيا،
ونصلٌ من السيفِ يذوي ويموتْ
إنما الدمُ يكتبُ تاريخَهُ،
بينما الحبرُ يروي السكوتْ
( أدونيس)
إن البشرية، في مسيرتها الحائرة، تصيب وتخطئ، وتضل وتهتدي، وتغوى وترشد، لكنها كلما تباعدت بها السبل، وضاقت أمامها مسالك التفاهم، وجدت في السيف حلًّا لما أعياها حله بالعقل والحوار.
ويا لها من مفارقة!
لقد تفتقت أذهان الإنسان، ربما لشقاوته، عن أحدث وسائل الفتك والهتك، وأبدعت في صناعة أدوات القتل والتدمير، على ضراوتها وكلفتها، بينما بدا الإنسان نفسه بليدًا حائرًا أمام اجتراح ممكنات العيش المشترك، والتعايش السلمي، واستيعاب الهويات الثقافية المتعددة.
استطاع أن يخترق الفضاء، ويفك شفرات المادة، ويجعل الآلات تتفاهم بلغات مشتركة، لكنه لا يزال يجد مشقة في أن يجعل القلوب والعقول تتسع لاختلاف أصحابها!
وكأن الإنسان تقدم في أدواته أكثر مما تقدم في حكمته، وأصبح أقدر على السيطرة على العالم منه على السيطرة على نوازعه.
وليس معنى ذلك أن البشرية لم تعرف طريق السلام؛ فقد أنتجت من الفلسفات والمواثيق والقوانين والمؤسسات ما يكفي للدلالة عليه، لكنها كثيرًا ما عجزت عن تحويل المعرفة إلى إرادة، والإرادة إلى ممارسة.
فليست المأساة دائمًا أننا لا نعرف طريق السلام، بل أننا نعرفه ثم لا نسلكه.
وهنا ينبغي ألا نغفل عن حقيقة أخرى: ليس الحبر نقيضًا للدم بالضرورة؛ فكم من كتاب أشاع حكمةً، وكم من كتاب غذّى عصبيةً، وكم من كلمةٍ أعادت سيفًا إلى غمده، وكم من كلمةٍ أخرجت ألف سيفٍ من أغمادها!
فالحبر الذي يحرّض على الكراهية ليس أقل خطرًا من السيف الذي ينفذها، والمعرفة التي لا يهذبها الضمير قد تتحول إلى أداة أشد فتكًا من الجهل نفسه.
ولذلك ليس كل متعلم واعيًا، وليس كل واعٍ إنسانيًا.
ولعلنا هنا نصل إلى أصلٍ من أصول الاجتماع الإنساني، وهو الاختلاف.
قال تعالى:
﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 118–119].
ومع تعدد أقوال المفسرين في معنى الآية ومرجع الإشارة فيها، فإنها تستدعي التأمل في واقع الاختلاف البشري، وفي حاجة الإنسان إلى الرحمة والعدل وهو يواجهه.
ولعل الاختلاف، من هذه الزاوية التأملية، ميدانٌ تتجلى فيه قدرة النفس البشرية على تهذيب نوازعها، وكبح شهوة الغلبة والاستعلاء فيها.
فما قيمة التسامح إذا لم يوجد ما يستدعيه؟ وما معنى الإنصاف إذا لم نواجه رأيًا يخالف أهواءنا؟ وما فضيلة ضبط النفس إذا لم تتنازعها الرغبة في الانتصار للذات؟
إن الاختلاف مشروع، ولكن التفرّق مذموم؛ والفرق بينهما هو الفرق بين تعددٍ يثري الحياة، وتمزقٍ يبدد طاقاتها.
وحين يبلغ المجتمع من النضج ما يجعله يقبل الآخر المختلف، بل ويمكّنه من ممارسة اختلافه في إطار الحقوق المتساوية، فإنه يكون قد ارتقى درجةً في سلم السمو الإنساني والتدرج الحضاري.
فليست الحضارة أن نصهر الناس في قالب واحد، وإنما أن نبني فضاءً مشتركًا يتسع لجميع الترددات، دون أن تفقد كل هوية نبرتها الخاصة، أو يتحول تنوع الأصوات إلى نشازٍ يمزق وحدة المجتمع.
وهنا تتجاوز المسألة مجرد التسامح إلى الاعتراف؛ فالتسامح قد يعني أن أسمح لك بأن تكون مختلفًا عني، أما الاعتراف فيعني أن أقر بأن اختلافك حق أصيل لك، لا منحةً أتفضل بها عليك.
إن أرقى المجتمعات ليست تلك التي قلّت فيها أسباب الاختلاف، بل تلك التي كثرت فيها ضمانات ألّا يتحول الاختلاف إلى اقتتال.
غير أن هذا السمو لا يتحقق ما دام كل طرف يجلس على عرش الحقيقة، وينظر إلى الآخرين من علٍ، وكأن زاويته في النظر تستوعب المشهد كله.
فالاختلاف الفكري ينشأ في كثير من صوره من اختلاف زوايا النظر، وتباين التجارب، وتعدد المناهج والأفهام.
ولذلك فإن التواضع المعرفي ليس تنازلًا عن القناعة، وإنما اعترافٌ بأن امتلاك الرأي لا يعني امتلاك الحقيقة كاملة.
وفي المعنى المتداول في أدبيات الاختلاف: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.
ويحضر هنا الأسلوب القرآني البليغ:
﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: 24].
فيا لجمال هذا الإنصاف الحواري الذي لا يقتضي التخلي عن اليقين، ولكنه ينزل بالمتحاورين من عرش احتكار الحقيقة إلى أرضية الحوار المشترك، حيث تتقابل الحجج بدلًا من أن تتصادم الإرادات!
وحينئذ يمكن أن يتحول اختلاف الزوايا إلى تعدد في النوافذ التي نطل منها على الحقيقة، لا إلى متاريس يتحصن خلفها المختلفون.
وليس معنى ذلك أن كل الآراء صائبة، أو أن جميع الاختلافات قابلة للجمع؛ فقد تتناقض الأفكار فعلًا، لكن التناقض بين الأفكار لا يستلزم العداوة بين أصحابها.
وهكذا نؤسس لتنوع الإثراء بدلًا من اختلاف التضاد، وللتكامل بدلًا من الإلغاء.
ومما يبعث على الأسى أن الإنسان لا يكتفي أحيانًا بخلافات عصره، بل يعود إلى بطون الكتب وكهوف التاريخ، فيجتر خلافاتٍ انقضت أسبابها، وغاب أصحابها، وخفتت أصواتها حتى لم يعد يُسمع لها ركز.
ثم ينفخ في رمادها، ويستخرج من تحت أنقاضها ما يعيد إشعال الخصومات في واقع لم يعد يحمل أسباب نشأتها الأولى.
وكأن الوفاء للأسلاف يقتضي أن نورّث أبناءنا خصوماتهم، لا حكمتهم وتجاربهم!
وما أشد المفارقة حين تنجح المجتمعات في تجاوز أسباب الصراع، لكنها تعجز عن تجاوز ذاكرته، فتظل تستدعي من الماضي ما يعكر صفو حاضرها ويهدد مستقبلها.
وليس المطلوب محو التاريخ، أو إنكار ما وقع فيه من مظالم؛ فالتاريخ ذاكرة الأمم، والاعتراف بالظلم شرط من شروط الإنصاف.
ولكن شتان بين ذاكرةٍ تستحضر الماضي للاعتبار، وذاكرةٍ تستدعيه للانتقام.
ليس من الوفاء للتاريخ أن نبقي جراحه مفتوحة، وإنما أن نتعلم كيف نمنع التاريخ من أن يجرح المستقبل.
إنْ من أنبل ما اجترحته الإنسانية في سعيها الحائر نحو السلام مفهومُ العدالة الانتقالية، بوصفها منظومة تسعى إلى كشف الحقيقة، والاعتراف بالأخطاء والانتهاكات، وإنصاف الضحايا، ومساءلة المسؤولين، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، وبناء ضمانات عدم التكرار.
إنها محاولة للمرور من فوق الجراح دون القفز على حقوق أصحابها، ولفتح صفحة جديدة من التاريخ دون تمزيق الصفحات السابقة.
فالعدالة لا تطالب الضحية بالنسيان، ولا تمنح المعتدي صكًا مفتوحًا للإفلات من المسؤولية، وإنما تحاول أن تحول الذاكرة من وقود للثأر إلى قوة أخلاقية ومؤسسية تمنع تكرار المأساة.
وهنا يتجلى الفرق بين الانتقام والعدالة:
فالانتقام يريد أن يجعل الآخر يتألم كما تألمنا، أما العدالة فتريد ألّا يتكرر الألم الذي عانينا منه.
وحين ينجح الإنسان في الانتقال من شهوة الثأر إلى فضيلة الاعتبار، فإنه لا يكون قد تصالح مع ماضيه فحسب، بل يكون قد بدأ يحمي مستقبل أبنائه من أن يصبح نسخةً أخرى من مآسي أجدادهم.
ونعود إلى سؤالنا الأول:
هل يهزم الحبرُ الدم؟
لعل السيف يستطيع أن يحسم معركة، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع سلامًا؛ فقد يُسكت الخصم دون أن يقنعه، ويفرض السكون دون أن يطفئ أسباب الخصومة.
وليس في ذلك إنكار لضرورة القوة حين تكون وسيلة مشروعة لحماية الحقوق ورد العدوان، وإنما رفض لتحويلها إلى البديل الأول عن العقل والعدل والحوار.
أما الحبر، فلا ينتصر لمجرد أنه حبر، ولا لأنه يملأ صفحات الكتب، وإنما حين يتحول إلى وعي يهذب النفوس، وإلى معرفة يضيئها الضمير، وإلى قوانين عادلة، ومؤسسات تصون الحقوق، وثقافة تعترف بالاختلاف، وذاكرة تتعلم من المآسي بدلًا من إعادة إنتاجها.
حينها فقط يمكن لقليلٍ من الوعي أن يحقن كثيرًا من الدماء.
وحينها ندرك أن أعظم ما تحتاج إليه البشرية ليس مزيدًا من البراعة في صناعة أدوات الغلبة، بل مزيدًا من الحكمة في تدبير الاختلاف.
فقد يكون السيف أقدر على حسم المعركة، ولكن الحبر أقدر على كتابة السلام الذي يمنع تكرارها.
ولعل انتصار الحبر الحقيقي أن يجعل الإنسان قادرًا على الاختلاف دون خصومة، وعلى الخصومة دون عدوان، وعلى امتلاك القوة دون شهوة استخدامها.






