مشروع حضرموت السياسي
المحامي صالح باحتيلي النعماني
أمام مشروع حضرموت السياسي طريق ممهد للوصول السريع للأهداف التي رسمها، وأهمها استقلال حضرموت، بل إن كل الظروف تكاد تكون في صالحه، وكل ما يحتاجه هي خطوات جريئة. هناك من يعتقد أن الأمر ليس بهذه السهولة، فهناك احتجاجات جنوبية داخل حضرموت. وآخرون يقولون: أين وجودكم في الشارع؟ هذا فهم ناقص لأبجديات العمل السياسي. أولًا، حكومة حضرموت وشعب حضرموت هما المالك للسلطة ولكل مفاصل الدولة في حضرموت، لهذا ليس بالضرورة أن يخرج للشارع لتأييد نفسه، ولم يحدث في التاريخ أن يخرج شعب ضد مشروعه، بل إن المعارض هو من يخرج، ولهذا هناك مجموعات جنوبية تخرج هنا وهناك، رغم مخالفتها للقانون، إلا أنها ليست ذات قيمة. فإذا خرج مائة شخص يؤيدون بقاء حضرموت تحت هيمنة واستبداد جنوب اليمن، فهناك سبعة ملايين يؤيدون مشروع حضرموت السياسي نحو الاستقلال. بكل بساطة، يجب أن لا يخدعكم الإعلام المضاد الذي يصور مائة شخص معارض أنهم أكثر تأثيرًا من خمسة ملايين حضرمي. هؤلاء القلة هم ممن بقي قلبه ينبض بشعار «من ما خلص لك مات ما فيه جدل، يا حزبنا الجبار»، بقايا الحزب الاشتراكي اليمني في دولة جنوب اليمن التي انتهت بالوحدة عام 1990. وقد تحدثنا سابقًا: لماذا لا نعترف لهذه الأصوات النشاز بالحق في الاحتجاج؟ الجواب: لأنها تعلن صراحة ارتباطها بالدولة الاستعمارية الاستبدادية الجنوبية التي خرجت ثورة شعب حضرموت ضدها، فلم يحدث في التاريخ أنه من حرية الاختيار أن يُسمح لبقايا الاستعمار بحق المطالبة بإعادته. ثم إن ممارسة حق الاختيار غير مقبولة قبل أن يرفع الجنوب المستبد والدولة المركزية اليمنية سيفهما المسلط على حضرموت.
ومع ذلك، فهؤلاء ليسوا بشيء يُذكر، بل إنه يقابل ذلك مطالبة حضرمية ومشروع حضرمي سياسي يحمله سبعة ملايين حضرمي، وهذا هو المدخل المفيد للنقاش الذي سيُعطى الاهتمام الأكبر في هذا الموضوع.
فإذا كان عام 1967 قد مثّل نقطة تحول فقدت فيها حضرموت وضعها السياسي السابق، وأصبحت جزءًا من دولة جنوب اليمن دون عملية تعبير شعبية مستقلة تحدد مستقبل الإقليم، فإن هذه المسألة لا يمكن تجاوزها عند دراسة نشأة المطالب الحضرمية الحديثة. وفي هذا السياق، فالمشروع الحضرمي لم ينشأ من فراغ، إنه مرتبط بذاكرة سياسية ترى أن حضرموت انتقلت من خلال عملية ضم بشعة من وضع سياسي خاص إلى وضع جديد لم يكن المجتمع الحضرمي هو الذي صاغ شروطه، ثم أُدخلت بعد ذلك في الوحدة اليمنية عام 1990. هنا انتهى رابط احتلال جنوب اليمن لحضرموت وانتقلت السيطرة للجمهورية اليمنية، وكانت تأمل أن يتم طرح قضية تقرير مصير حضرموت للنقاش بعد انتهاء الوضع القانوني لدولة جنوب اليمن، لكن بالغت السلطات المركزية الجديدة في دولة الوحدة اليمنية في تفتيت المجتمع الحضرمي، لتشغل تركيزه عن تقرير المصير، فراكمت مشكلاته، وخلطت ملفات الموارد والتمثيل والتنمية والهوية، لتبديد وتشتيت أي توجه نحو استعادة حضرموت لكيانها السياسي ومركزها القانوني، لكن شاءت الأقدار أن تنهار الدولة المركزية أمام عظمة حضرموت. فإذا كانت حضرموت قد فقدت قدرتها على تقرير موقعها السياسي في الماضي، فهل يمكن أن تستعيد اليوم حقها في المشاركة في تحديد مستقبلها؟ هذا السؤال هو المدخل الحقيقي لبحث تقرير المصير في الحالة الحضرمية.
وهنا أمر بالغ الأهمية للحالة الحضرمية، فمشروع حضرموت السياسي تهيأت له الظروف المواتية. لذا يتوجب عليه أن يبدأ فورًا بتثبيت حق المجتمع في إدارة شؤونه، وبناء مؤسسات مركزية وتأسيس سلطات حكم تنفيذية وقضائية وتشريعية رمزية، وضمان السيطرة المحلية على الموارد، وحماية الهوية. أعتقد أنه إذا لم يفعل ذلك خلال هذا العام، فإنه غير جدير بالدفاع عن قضية حضرموت.
العملية السياسية القادمة التي تقودها السعودية ستفضي بكل تأكيد إلى عقد دستوري جديد بين حضرموت واليمن، لكن نصوص هذا العقد سيتم استخلاصها مما طرحه ممثلو حضرموت وممثلو اليمن في وثيقة الاتفاق، ففريق التفاوض الحضرمي إما أن يقبل بتصور الآخرين للحل ليظهر بمظهر المتعاون، وبذلك سيكون قد أضاع قضية حضرموت، أو أن يتمسك بالحق في تقرير المصير بالنص عليه داخل وثيقة الحل، حتى إذا تم رفضهم وإخراجهم من العملية السياسية مؤقتًا. إن أهم مادة في اتفاق المبادئ يجب أن تنص على حق أي طرف من طرفي العقد، حضرموت واليمن، بتقرير مصيره بعد سنتين من توقيع الاتفاق.
تاريخيًا، ارتبطت فكرة تقرير المصير بالتحولات التي شهدها العالم، غير أن المفهوم لم يكن في بداياته قاعدة قانونية دولية واضحة بالمعنى الذي أصبح عليه لاحقًا، وإنما كان في جانب كبير منه فكرة سياسية وفلسفية تتعلق بالحرية والشرعية.
ومع مرور الوقت، بدأ المفهوم ينتقل من مجال الفكر السياسي إلى مجال العلاقات الدولية، خاصة مع التحولات الكبرى التي أعقبت الحرب العالمية الأولى. وأصبح الحديث عن الشعوب والأمم وحقها في اختيار مستقبلها السياسي جزءًا من النقاش حول إعادة رسم الخريطة السياسية لأوروبا وانهيار الإمبراطوريات القديمة. وكانت تلك المرحلة مهمة لأنها جعلت مسألة إرادة الشعوب عنصرًا في إعادة تشكيل النظام الدولي، وإن كان تطبيقها آنذاك لم يكن شاملًا أو متساويًا بين جميع الشعوب.
وبعد الحرب العالمية الثانية، حدث تحول أكثر أهمية في تاريخ المفهوم مع تأسيس الأمم المتحدة وظهور نظام دولي جديد يقوم على مبادئ السيادة والمساواة بين الدول وحظر استخدام القوة وتعزيز حقوق الإنسان، وأصبح تقرير المصير جزءًا من لغة النظام الدولي الجديد، ولم يعد الحديث عنه مقتصرًا على الفلاسفة، وإنما دخل في الوثائق الدولية وفي الخطاب الرسمي للدول والمنظمات الدولية، ومن هنا بدأ المفهوم يأخذ بُعدًا قانونيًا أكثر وضوحًا.
ويظهر هذا التطور في ميثاق الأمم المتحدة الذي أدرج ضمن مقاصده مبدأ المساواة في الحقوق وحق الشعوب في تقرير مصيرها. وقد مثّل هذا الإدراج تحولًا مهمًا، لأنه نقل المفهوم من دائرة الفكر السياسي إلى دائرة المبادئ التي يقوم عليها النظام الدولي.
لكن إدراج المصطلح في الميثاق لم يضع كل تفاصيله، ولم يحسم بصورة نهائية جميع الأسئلة المتعلقة بمن هو الشعب الذي يملك هذا الحق، أو بكيفية ممارسته، وهذه المسائل تطورت لاحقًا من خلال الممارسة الدولية وقرارات الجمعية العامة والعهود الدولية وأحكام القضاء الدولي ومواقف الدول.
ومن أبرز مراحل هذا التطور مرحلة إنهاء الاستعمار، حيث أصبح تقرير المصير أحد الأسس التي قامت عليها عملية تفكيك الأنظمة الاستعمارية في آسيا وأفريقيا ومناطق أخرى. وقد كان هذا التطور ذا أهمية خاصة، لأن النظام الدولي بدأ ينظر إلى الشعوب الواقعة تحت السيطرة الاستعمارية أو الضم والإلحاق باعتبارها صاحبة حق في تحديد مستقبلها السياسي.
وأصبحت عملية الاستقلال، في حالات عديدة، مرتبطة بمبدأ أن الشعب الخاضع للاستعمار أو الضم والإلحاق يجب أن يكون قادرًا على اختيار مستقبله دون أن تفرض عليه الدولة المستعمرة استمرار السيطرة. وهنا ظهر الارتباط القوي بين تقرير المصير والاستقلال.
إن الاستقلال يمثل صورة أكثر تقدمًا من صور ممارسة الإرادة السياسية، عندما يختار الشعب إنشاء دولة مستقلة. وفي المقابل، من الخطأ أيضًا القول إن تقرير المصير لا يمكن أن يؤدي إلى الاستقلال. فالاستقلال كان وما يزال إحدى أبرز النتائج التي ارتبطت تاريخيًا بهذا الحق.
المحامي صالح باحتيلي النعماني
محامٍ مترافع أمام المحكمة العليا






