اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

جيش الورق الشمالي…من قبض الرواتب ومن سلّم الجبهات؟

جيش الورق الشمالي…من قبض الرواتب ومن سلّم الجبهات؟

( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن سعيد المرزم
12 اكتوبر 2026

لم يعد السؤال عن جبهات الشمال سؤالًا عابرًا في نقاش الحرب، بل صار سؤالًا عن حقيقة القوة التي تتحدث باسمها البيانات، وعن مصير الأموال التي صُرفت لها، وعن القيادات التي تملك قرار التحرك أو التراجع.

تتداول تقديرات أن الحضور الفعلي في بعض التشكيلات الشمالية لا يتجاوز 20% من الأعداد المسجلة، وأن معظم القوات المعلنة موجودة في الكشوف أكثر مما هي موجودة في الميدان. وإذا صحّت هذه التقديرات، فنحن أمام خلل يتجاوز ضعف الجاهزية: أمام جيشٍ تُعلن أعداده كاملة، بينما لا يظهر منها على الأرض إلا جزء محدود. هنا يصبح وصف «جيش الورق الشمالي» توصيفًا لمشكلة مؤسسية خطيرة، لا حكمًا على أبناء الشمال ولا على كل من حمل السلاح منهم.

فالجندي الذي يقاتل ويدافع عن موقعه ليس مسؤولًا عن تضخم الكشوف، كما أن المواطن الذي أنهكته الحرب لا يتحمل مسؤولية قرارات القيادات. المسؤولية تقع على من سجّل الأعداد، واعتمدها، وصرف مخصصاتها، وتولى قيادة القوات، ثم عجز عن إظهارها في الميدان حين احتاجت إليها الجبهات.

والسؤال الأكثر إلحاحًا: أين الإثباتات والوثائق التي بُني عليها صرف الرواتب؟ أين كشوف الأسماء المعتمدة؟ أين سجلات الحضور والغياب؟ أين بيانات الانتشار والوحدات؟ ومن تحقق من أن الراتب وصل إلى الجندي الموجود فعلًا، لا إلى اسمٍ في سجل أو وسيطٍ يستفيد من بقائه؟ إن كانت الأعداد حقيقية، فإظهار ما يثبتها يجب أن يكون ممكنًا عبر مراجعة مستقلة تحفظ البيانات الحساسة، وتكشف للرأي العام حجم القوة الفعلية ومصير المال العام.

ولا يكفي أن تقول الشرعية إن لديها قوات، أو أن تكتفي القيادات العسكرية بترديد أرقام لا يراها الناس على الأرض. المطلوب كشفٌ منضبط يوضح عدد المسجلين، وعدد الحاضرين، وحجم المتأخرات، وآلية التسليم، والجهة التي راجعت الصرف. فكل راتب صُرف باسم جندي غائب أو غير موجود هو مال عام يحتاج إلى تفسير، وكل موقع تُرك بلا دفاع يحتاج إلى مساءلة.

ثم تأتي الجبهات التي سُلّمت أو تراجعت منها القوات، فيما بقيت الأعداد المعلنة والرواتب مستمرة. كيف تُفسَّر هذه المفارقة؟ من أصدر أوامر الانسحاب؟ وهل كان تراجعًا اضطراريًا فرضته موازين القتال، أم نتيجة غياب القوات التي يفترض أنها موجودة؟ وأين تقارير القيادة ووزارة الدفاع التي تشرح ما جرى؟ لا يجوز أن تبقى الوقائع بلا تحقيق، ولا أن تتحول خسارة المواقع إلى خبر عابر، بينما لا يُعرف من اتخذ القرار ولا من يتحمل تبعاته.

وهنا يبرز دور شرعية الفنادق، كما يصفها منتقدوها، ودور التحالف الذي دعم هذه القوات أو أسهم في تمويلها وتسليحها. إذا كانت الشرعية قد اعتمدت هذه التشكيلات وطلبت دعمها، فعليها أن تقدم حسابًا واضحًا عن جاهزيتها ورواتبها وانتشارها. وإذا كان التحالف قد موّل أو أشرف على برامج الدعم، فمن حق الناس أن يسألوا: ما آلية التحقق من وصول الأموال؟ هل طابقت المدفوعات أعداد الموجودين في الميدان؟ وهل توجد سجلات موثقة للرواتب والإمدادات والقوة الفعلية؟ إن المساءلة هنا ليست خصومة سياسية؛ إنها الحد الأدنى لحماية المال والناس والجبهات.

أما وزارة الدفاع، فلا يكفي أن تحمل الاسم الرسمي فيما تظل الجبهات بلا تفسير. عليها أن تنشر ما يمكن نشره، وأن تعلن عن مراجعة حقيقية لقوائم القوات، وأن تحقق في حالات الغياب والتسليم والتراجع، وأن تحاسب كل من ثبت تلاعبه بالأعداد أو الرواتب أو أوامر الميدان. كما أن عليها أن تقدم للناس تحديثًا منتظمًا يشرح ما يجري، من دون كشف تفاصيل عسكرية تضر بالقوات.

وتبقى جبهات مأرب والجوف ونهم أمام سؤال لا يمكن تجاوزه: أين القوات التي يفترض أنها تحميها؟ وأين الخطط التي تربط بين وجودها المعلن وقدرتها على الفعل؟ لا يُطلب من كل جبهة أن تتحرك بالطريقة نفسها أو في التوقيت نفسه، لكن من حق الناس معرفة أسباب الجمود، ومن يملك القرار، وما إذا كانت هناك خطة فعلية أم أن الوطن تُرك للانتظار.

ولا تكتمل المساءلة إن بقي الإعلام بعيدًا عن الميدان. على القنوات أن تستضيف من يعرف واقع الجبهات، وأن تفتح المجال لأصوات المقاتلين والمواطنين والقيادات الميدانية، وأن تطرح أسئلة الرواتب والجاهزية والانسحابات على أصحاب القرار. فالتغطية التي تكتفي بالخطابات الرسمية، أو تنقل أخبار جبهة وتتجاهل أخرى، لا تشرح للناس ما يجري ولا تساعد على كشف المسؤولية.

لكن الغضب من «جيش الورق» لا ينبغي أن يتحول إلى إهانة جماعية لأهل الشمال. ففيهم من قاتل، ومن استشهد، ومن جُرح، ومن فقد أهله وبيته، ومن لا يملك قرارًا عسكريًا أو سياسيًا. إنصاف هؤلاء يقتضي أن تتجه المساءلة إلى القيادات والجهات التي تملك القرار والمال والبيانات، لا إلى منطقة كاملة.

المطلوب اليوم ليس تبادل الاتهامات، بل وثائق قابلة للمراجعة: قوائم موثقة، وسجلات حضور، وبيانات صرف، وتقارير انتشار، وتحقيقات مستقلة في الجبهات التي سُلّمت أو تُركت. وإذا كانت نسبة الحضور الفعلي أقل من 20% كما تتداول التقديرات، فعلى الجهات المعنية أن تثبت خطأ ذلك بالأرقام والسجلات، أو أن تعترف بحجم الخلل وتبدأ إصلاحه. أما الصمت، فلن يمحو الفجوة بين الجيش المسجل والجيش الموجود.

أين الإثباتات؟ من قبض الرواتب؟ من حضر الميدان؟ ومن سلّم الجبهات؟

هذه الأسئلة لا تُجاب بالشعارات ولا بتخوين من يطرحها. تُجاب بوثائق واضحة، وقيادة تتحمل مسؤوليتها، ومحاسبة تطال كل من عبث بالأعداد أو المال أو الجبهات. فاستعادة الوطن لا تبدأ بتضخيم الكشوف، بل ببناء قوة حقيقية؛ قوةٍ نعرف عددها، ونرى أثرها، ونحاسب قيادتها.

*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*

إغلاق