العُمرُ نوافذمشهدٌ واحد ٠٠ بإطلالاتٍ مختلفة
بقلم الدكتور / أحمد عبدالله باصهي
أكاديمي وباحث في علم الإجتماع الإداري.
« *العمر يمضي إلى التسعين مسرعًا، والروح ثابتة على العشرين».*
لعل من أعجب ما يختبره الإنسان في رحلته مع الزمن أن عمره الذي تثبته الأوراق، وتحصيه السنوات، وتفضحه المرآة، ليس هو بالضرورة العمر الذي يشعر به في أعماقه. ثمة زمن يمضي خارجنا، وزمن آخر يقيم فينا؛ الأول لا يعرف التوقف، والثاني قد يظل مشدودًا إلى لحظة بعيدة، كأن عقارب ساعته توقفت هناك ولم تبرحها.
يكبر الإنسان، وتتغير ملامحه، ويبطؤ خطوه، وتزداد المسافة بينه وبين البدايات، لكنه يفاجأ أحيانًا بأن ذلك الفتى القديم ما يزال يسكنه؛ يفرح للأشياء ذاتها، ويطرب لبيت من الشعر، وتوقظه ذكرى قديمة أو أغنية عابرة، فيعود في لحظة واحدة عشرات السنين إلى الوراء.
وهنا تبدأ واحدة من أعمق مفارقات العمر: الجسد يعرف كم بلغ من السنين، أما الروح فلا تجيد الحساب.
غير أن بقاء شيء من روح العشرين لا يعني بقاء عين العشرين.
فالعين تتغير.
وليس المقصود عين البصر وحدها، بل تلك العين الأخرى التي ننظر بها إلى الناس والأشياء والغايات. في الشباب تبدو الحياة فوّارة، ممتدة، ممتلئة بالاحتمالات. الأشياء قريبة، والأحلام ممكنة، والمسافات لا تخيف، والغايات لا تخضع لكثير من التحقيق قبل السعي إليها.
يسأل الشاب: كيف أصل؟
ثم تمضي به السنون، فيتعلم أن يسبق هذا السؤالَ سؤالٌ آخر:
وهل يستحق أن أصل؟
كما اعتقد تولستوي ذات مرة أن لا شيئ في الحياة يستحق هذه السرعة حين قال أن السلحفاة أذكى من الأرنب في تمهلها !
وهنا لا يكون العمر قد أطفأ الرغبة، وإنما هذّبها.
فبعض الأشياء التي كانت تبدو قريبة تبتعد، لا لأن المسافة إليها ازدادت، بل لأننا اكتشفنا أنها لم تكن قريبة كما ظننا. وبعض الأشياء التي أفنينا أعوامًا في مطاردتها نقف أمامها في مرحلة أخرى فلا نسأل عن الطريق إليها، بل نمتحن وجودها أصلًا.
كم من غاية بدت لنا جبلًا بعيدًا يستحق أن نقطع إليه العمر، ثم اكتشفنا حين اقتربنا أنها لم تكن إلا سرابًا صنعه بُعد المسافة!
وكم من شيء كان إلى جوارنا ولم نره، لأن أعيننا كانت معلقة بما وراء الأفق!
هكذا تتغير زوايا النظر، فتبدو الإطلالة غير الإطلالة، مع أن العالم ربما لم يتغير كثيرًا؛ الذي تغير هو الواقف أمام النافذة.
وفي هذه المرحلة يكتسب الشعر معنى آخر.
فالشعر في مقتبل العمر موسيقى ودهشة وصورة وانفعال، لكنه مع تراكم التجربة يصبح مستودعًا للذاكرة. قد نقرأ البيت نفسه مرتين تفصل بينهما ثلاثون سنة؛ فنفهمه في الأولى، ثم نعيشه في الثانية.
لم يضف الشاعر كلمة إلى بيته، لكن العمر أضاف إلينا ما كان ينقصنا لفهمه.
ومن هنا نفهم قول العارف بالله محمد بن عبدالجبار النفري – عليه رحمة الله-
«إذا ضاقت العين اتسعت العبارة».
فليس كل ما يأخذه العمر نقصانًا.
قد تضعف حدة البصر، لكن حدة البصيرة تزداد. وقد تضيق دائرة الحركة، وتتسع في المقابل دوائر التأمل. ويقل انشغال المرء بكثرة الأشياء، فيزداد نفاذه إلى حقيقتها.
كأن الحياة تعقد معنا مقايضة صامتة: تأخذ سرعة الخطوة وتعطينا معرفة الطريق؛ تخفف اندفاع الرغبة وتعطينا القدرة على فرز الرغبات؛ تأخذ شيئًا من اتساع الخارج، وتفتح في الداخل قارات لم نكن نعلم بوجودها.
ولذلك قد تكون العبارة في أواخر العمر أكثر اقتصادًا في ألفاظها، لكنها أكثر اتساعًا في دلالتها.
فالشاب يحتاج أحيانًا إلى صفحات ليقول ما يشعر به، أما من أثقلته التجربة فقد تكفيه جملة؛ لأن وراء الجملة عمرًا كاملًا من المحذوف.
وحين تضيق العين، لا تتسع العبارة بكثرة الكلمات، بل بكثرة ما وراء الكلمات.
ولكل مرحلة عمرية إحساسها تختلف فيها درجة الإنفعال والتجاوب كما قال أمير الشعراء شوقي ذات يوم ؛
«وكل غاية لذة بعد الشباب عزيزة الإدراك».
فاللذة نفسها تتغير.
في الشباب تتقدم لذات الحس؛ لأن الجسد في فورانه كما قال أبو العلا المعري
إن الشبيبة نار إنْ أردتَ بها * أمرا فبادره! إن الدهر مطفئها!
والحياة في أول انكشافها، وكل شيء يحمل طعم المرة الأولى. لكن الزمن يعيد ترتيب سلّم اللذات؛ فما كان يملأ النفس قد لا يعود قادرًا على ذلك، وما كان عابرًا قد يصبح بالغ القيمة.
جلسة هادئة، وصديق قديم، وكتاب يعاد فتحه بعد عقود، ووجه عزيز، وطمأنينة بيت، وذكرى تعبر بلا موعد، وبيت شعر يوقظ في القلب زمنًا بكامله؛ أشياء قد تصبح أثمن من كثير مما كنا نظنه في الشباب ذروة المتعة.
ولعل العبارة لا تعني أن اللذة بعد الشباب مستحيلة، بل إنها أعز إدراكًا لأنها أدق تركيبًا.
لم تعد اللذة مجرد شيء يحدث للحواس؛ صارت مزيجًا من الحاضر والذاكرة والمعرفة والامتنان وإدراك الفناء.
نستمتع بالشيء، وفي اللحظة نفسها نعرف أنه لن يبقى.
وهذه المعرفة نفسها تضيف إلى اللذة مسحة من الشجن لم تكن تعرفها في أول العمر.
فالشاب يشرب اللحظة حتى آخرها لأنه يظن أن أمامه منها كثيرًا، أما من خبر الزمن فيشربها على مهل لأنه يعرف ندرتها.
العمر يمضي، والروح تحتفظ بشيء من شبابها؛ والعين تضيق، لكن العبارة تتسع؛ واللذة تصبح أعز إدراكًا لأنها انتقلت شيئًا فشيئًا من فوران الحس إلى صفاء المعنى.
فليست المسألة شبابًا في مقابل شيخوخة، ولا قوة في مقابل ضعف. إنها رحلة أعمق: رحلة الإنسان من رؤية الحياة إلى قراءتها.
في العشرين نريد أن نعيش كل شيء.
ثم نتعلم أن الحياة ليست في أن نملك كل شيء، ولا أن نصل إلى كل مكان، ولا أن نخوض كل تجربة؛ بل في أن نعرف أي الأشياء يستحق أن نعطيه قسطا من عمرنا الذي لا يعود.
ولعل أجمل ما يمكن أن يصالح الإنسان مع نفسه وهو يرى انخراط السنين أن يجمع في داخله بين اثنتين ؛
أن يحتفظ بقدرته على الدهشة، دون أن يستعيد سذاجة البدايات؛ وأن يبقى قادرًا على الحب، دون أن يعمى عن حقيقة من يحب؛ وأن يظل يحلم، لكن بعد أن تعلم أن بعض الأحلام لا تستحق أن يستيقظ العمر كله من أجلها.
حينئذ لا يصبح التقدم في العمر مجرد انسحاب بطيء من الحياة، بل ارتقاء إلى شرفة أعلى منها.
ومن الشرفة العالية لا تبدو الأشياء كما كانت تبدو في الطريق نرى المسافات التي قطعناها، والطرق التي كان ينبغي ألا نسلكها، والأبواب التي حزنا لأنها أغلقت ثم حمدنا الله أنها لم تفتح ، والوجوه التي عبرت ، والقليل الذي بقى.
وعند هذا الموضع تحديدًا، لا يكون التأمل مجرد استعادة لما مضى، بل مراجعة هادئة لما استُنزف فيه العمر؛ فنردد — وكأن التجربة هي التي تنطق لا اللسان — قول الدكتور غازي القصيبي _عليه رحمة الله تعالى _
«وعدتُ من المعارك.. لستُ أدري
علامَ أضعتُ عُمري في النزالِ»
كأن المعارك التي خضناها لم تكن كلها تستحق، وكأن الطريق لم يكن كله طريقًا.
عندها نفهم أن العمر لم يكن يأخذ منا فقط.
كان يعلّمنا كيف نرى.
وحين تتغير زاوية النظر، تتغير الإطلالة؛ وحين تضيق العين، تتسع العبارة؛ وحين تهدأ لذات الشباب، تبدأ الروح في اكتشاف لذات أشد ندرة وأعمق مذاقًا.
ويبقى ذلك الفتى القديم في مكان ما من الداخل، ينظر من نافذة الرجل الذي تقدمت به السنون.
لكن الإطلالة لم تعد هي الإطلالة.






