اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

دور حضرموت في الصراع اليمني: من هامش الحرب إلى قلب المعادلة… ماذا كان دورها؟ وماذا سيكون مستقبلها؟

دور حضرموت في الصراع اليمني: من هامش الحرب إلى قلب المعادلة… ماذا كان دورها؟ وماذا سيكون مستقبلها؟

بقلم / أ . غازي مرعي بن علي جابر
الاثنين 28 سبتمبر 2026

لطالما بدت حضرموت، جغرافيًا وسياسيًا، بعيدة عن مركز الصراع اليمني. لكنها في الحقيقة لم تكن يومًا خارج المعادلة. فهذه المحافظة الواسعة، ذات الموقع الاستراتيجي والثروات النفطية والموانئ والساحل الطويل، كانت حاضرة في كل التحولات الكبرى التي شهدها اليمن، وإن اختلف شكل حضورها من مرحلة إلى أخرى.
واليوم، تبدو حضرموت أمام سؤال تاريخي:
*هل ستظل ساحة يتنافس الآخرون على النفوذ فيها، أم ستتحول إلى طرف فاعل يحدد موقعه ومصالحه بنفسه؟*

*حضرموت قبل الحرب… ثروة كبيرة وحضور سياسي محدود*
قبل اندلاع الحرب اليمنية بصورتها الحالية، كانت حضرموت تتمتع بخصوصية واضحة. فهي من أكبر محافظات اليمن مساحة، وتملك موارد نفطية وموانئ وموقعًا جغرافيًا يجعلها ذات أهمية اقتصادية وأمنية كبيرة.
لكن هذه الأهمية لم تكن تعني بالضرورة أن القرار السياسي والاقتصادي في المحافظة كان بيد أبنائها. وظلت قضية إدارة الموارد والثروة والتنمية والخدمات حاضرة في النقاش الحضرمي، خصوصًا مع الشعور بأن حجم الثروة التي تنتجها المحافظة لا ينعكس بصورة متناسبة على حياة سكانها.
ومع اندلاع الحرب عام 2015، حافظت حضرموت في فترات طويلة على قدر من الاستقرار مقارنة بمناطق يمنية أخرى، لكنها لم تكن بعيدة عن تداعيات الحرب؛ فقد أصبحت المحافظة جزءًا من ترتيبات أمنية وعسكرية وسياسية متشابكة، ودخلت قوى محلية وإقليمية على خط إدارة المشهد فيها.
*حضرموت أثناء الحرب… من منطقة آمنة نسبيًا إلى ورقة استراتيجية*
أهمية حضرموت ازدادت مع استمرار الحرب.
فالمحافظة تمتلك النفط والموانئ والمنافذ البحرية، وتشكل جسرًا جغرافيًا بين مناطق جنوب وشرق اليمن، كما أن قربها من الحدود السعودية جعلها ذات أهمية مباشرة للأمن الإقليمي.
ولهذا أصبحت حضرموت محل اهتمام أطراف متعددة: الحكومة اليمنية، والمجلس الانتقالي الجنوبي، والقوى الحضرمية المحلية، إضافة إلى السعودية والإمارات وغيرهما.
وفي ديسمبر 2025 ومطلع يناير 2026، وصلت المنافسة على النفوذ إلى مرحلة أكثر حدة، مع توسع قوات مرتبطة بالمجلس الانتقالي في حضرموت، ثم استعادة القوات المدعومة سعوديًا السيطرة على المكلا ومناطق أخرى. وقد أدت تلك التطورات إلى إعادة ترتيب المشهد العسكري والسياسي في الجنوب.
*وهنا ظهرت حقيقة مهمة:*
*حضرموت لم تعد مجرد محافظة في جنوب اليمن، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من معادلة الصراع على مستقبل اليمن نفسه.*

*الصراع لم يعد فقط على الأرض… بل على الثروة والقرار*
المشكلة الحضرمية لا يمكن اختزالها في الصراع بين الحكومة والمجلس الانتقالي أو بين القوى المحلية والإقليمية.
فهناك سؤال أعمق:
*من يملك قرار حضرموت؟ ومن يدير ثرواتها؟ ومن يقرر مستقبلها؟*
وقد ظهر هذا السؤال بوضوح في ملف النفط والإيرادات والخدمات.
فخلال 2026، ارتبطت التوترات في المحافظة بتراجع إنتاج النفط وتدهور الكهرباء والخدمات، بينما تصاعدت مطالب محلية بإعطاء حضرموت نصيبًا أكبر من مواردها وإدارة شؤونها. كما أثير مجددًا موضوع نسبة العائدات النفطية التي يفترض أن تعود إلى المحافظات المنتجة.
*وهذا يعني أن المعركة في حضرموت لم تعد عسكرية فقط؛ بل أصبحت معركة على نموذج الحكم وإدارة الثروة ومستقبل العلاقة بين المركز والمحافظة.*

*الحضور الحضرمي يتغير*
اللافت في السنوات الأخيرة هو صعود خطاب حضرمي أكثر وضوحًا، يطالب بأن يكون لأبناء حضرموت دور أكبر في إدارة محافظتهم، وألا تكون المحافظة مجرد ساحة نفوذ لقوى يمنية أو إقليمية.
وقد ظهرت مبادرات سياسية تسعى إلى جمع القوى القبلية والسياسية والعسكرية والاجتماعية الحضرمية تحت مظلات أكثر محلية. *وفي مايو 2026 أُعلن عن مقترح لإنشاء المجلس الأعلى لتنسيق القوى والمكونات الحضرمية* بهدف جمع أطراف حضرمية متعددة. كما برزت دعوات إلى إدارة ذاتية للمحافظة.
وهذه التحولات قد تكون أهم من أي تغيير عسكري؛ لأن مستقبل حضرموت لن يتحدد فقط بمن يسيطر على المعسكرات، *وإنما أيضًا بمن يستطيع بناء مشروع سياسي حضرمي يحظى بقبول اجتماعي واسع.*

*وماذا عن المستقبل؟*

المستقبل أمام حضرموت مفتوح على أكثر من مسار، ولا يمكن الجزم اليوم بأي مسار سيحدث.
لكن يمكن تصور ثلاثة اتجاهات رئيسية:

*الأول: استمرار حضرموت كساحة صراع نفوذ*
وهذا يحدث إذا بقيت القوى اليمنية والإقليمية تتعامل مع حضرموت باعتبارها موقعًا استراتيجيًا وثروة يجب السيطرة عليها، بينما تظل القوى الحضرمية منقسمة.
وفي هذه الحالة قد تتغير أسماء القوى والقيادات، لكن جوهر المشكلة سيبقى كما هو.

*الثاني: حضرموت كإقليم أو كيان يتمتع بإدارة محلية واسعة*
هذا المسار يتطلب توافقًا حضرميًا حقيقيًا، وترتيبات سياسية وقانونية واضحة داخل أي تسوية يمنية قادمة.
وقد أصبح مطلب الإدارة الذاتية حاضرًا في الخطاب السياسي لبعض القوى الحضرمية، لكنه لا يمثل بالضرورة موقفًا موحدًا لكل أبناء المحافظة.

*الثالث: حضرموت كطرف رئيسي في التسوية اليمنية القادمة*
وهذا هو التحول الأهم.
فبدل أن يجري التفاوض على حضرموت بين الناس الآخرين، يمكن أن تصبح القوى الحضرمية نفسها طرفًا أساسيًا في أي مفاوضات تتعلق بمستقبل اليمن.
وهنا تصبح قوة حضرموت الحقيقية ليست في النفط وحده، ولا في الجغرافيا وحدها، ولا في القوة العسكرية، *وإنما في قدرتها على توحيد موقفها السياسي حول مصالح المحافظة.*

*الخطر الأكبر على حضرموت*
الخطر ليس فقط في أن يأتي طرف من خارجها ويحاول فرض نفوذه.
الخطر الأكبر هو أن تنقسم حضرموت نفسها.
فإذا انقسمت القوى الحضرمية بين قبيلة وحزب، وبين الساحل والوادي، وبين هذا الطرف الإقليمي وذاك، وبين مشروع الانفصال ومشروع الوحدة ومشروع الحكم الذاتي، فإن الآخرين سيجدون مساحة أكبر للتدخل.
أما إذا استطاعت حضرموت أن تتفق على مجموعة من الثوابت، مثل:
*أمن حضرموت ووحدة مجتمعها وإدارة مواردها وتحسين خدماتها وتمثيل أبنائها ورفض تحويل أرضها إلى ساحة صراع بالوكالة*
فإن وزنها السياسي سيكون أكبر بكثير.

*حضرموت بعد كل هذه السنوات… ماذا تريد؟*

ربما آن الأوان لأن ينتقل السؤال من:
*من سيحكم حضرموت؟*
*إلى سؤال أكثر أهمية:*
*كيف يريد الحضارم أن تُحكم حضرموت؟*
*ومن:*
*من يسيطر على نفط حضرموت؟*
*إلى:*
*كيف تتحول ثروة حضرموت إلى تنمية وخدمات وفرص لأبنائها؟*
*ومن:*
*مع من تقف حضرموت؟*
*إلى:*
*ما الذي يخدم حضرموت أولًا؟*
فحضرموت ليست مجرد ورقة في الصراع اليمني، وليست مجرد منطقة نفطية أو جغرافيا واسعة. إنها مكوّن تاريخي واجتماعي واقتصادي مهم، وأي تسوية يمنية تتجاهل وزنها ومصالح سكانها ستكون أمام قضية يصعب تجاوزها.

*الخلاصة:*
لقد كان دور حضرموت في الماضي دورًا متأثرًا بالصراع أكثر من كونه صانعًا له.
أما اليوم، فقد تغيرت المعادلة.
*حضرموت أصبحت في قلب الصراع، لا على هامشه.*
والمستقبل سيضع أمام أبنائها مسؤولية تاريخية: إما أن يظل الآخرون يتنافسون على حضرموت، أو أن تنجح حضرموت في بناء موقف سياسي واجتماعي يجعلها *شريكًا في صناعة مستقبل اليمن، لا مجرد ساحة لصناعة مستقبل الآخرين.*

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي: من يربح حضرموت؟
بل:
*هل تستطيع حضرموت أن تربح نفسها أولًا؟*

إغلاق