رماد الحلم العربي الذي انتجه الربيع العربي
بقلم / م. اشرف حيمد قفزان
السبت 12 سبتمبر 2026
في أواخر عام 2010، لم يكن أحدٌ يتوقع أن ثقباً صغيراً أحدثه شعلةُ جسدٍ محترق في أطراف تونس سينفجر منه طوفانٌ يقتلعُ عروشاً ويغير وجه الشرق الأوسط إلى الأبد. في تلك اللحظات الأولى بدت الميادين العربية كأنها تغتسل من عقودٍ من الركود كانت الحناجر تصدح بصوت واحد والشوارع تفيض بأجيال ظنت أن لحظة الانعتاق والعدالة والكرامة قد أشرقت أخيراً.
كانت تلك أيام الشغف المعمى حيث اختُزلت المعضلات المعقدة في شعار بليغ وساحر الشعب يريد إسقاط النظام. لكن ما لم يستوعبه الكرماء في الساحات حينها أن إسقاط العروش أسهل بكثير من بناء الدول وأن الهدم وإن كان بحسن نية إذا لم ترافقه حكمة البناء يفتح أبواب الجحيم.
لم تكد نشوة الفرح تنقضي حتى استيقظت العواصم على واقع أشد قسوة من الأنظمة التي سقطت. في سوريا تحول النداء بالحرية إلى ملحمة دمار وتهجير وغدت البلاد ساحة صراع مفتوحة للقوى الإقليمية والدولية. وفي اليمن أفسح انهيار الدولة المجال لأطماع طائفية وصراعات أهلية أودت بالبلاد إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة. ولم تكن ليبيا بأحسن حالاً حيث تقاسمت الميليشيات المسلحة الجغرافيا والنفط بينما انتهى الاستثناء التونسي بانسداد سياسي وأزمة اقتصادية خانقة.
لكن الفاجعة الأكبر لم تقف عند حدود الدول التي اشتعلت بل امتدت لتضرب قلب المشروع الإسلامي والعربي وقضيته المركزية فلسطين.
قبل طوفان هذه الأزمات كانت “غزة” والقدس تقفان في مركز الوعي الجمعي للأمة، البوصلة التي تجمع المتفرقين وتحدد معالم الصراع. لكن مع تهاوي العواصم العربية واحدة تلو الأخرى انكفأت كل دولة على جراحها الذاتية. أصبحت الشعوب المشغولة برغيف الخبز والبحث عن الأمان والهروب من قصف البراميل أو بؤر الاقتتال الداخلي عاجزة عن تقديم أكثر من التعاطف الخجول.
في هذا الفراغ الإقليمي والتشتت العربي تُركت غزة وحيدة في مواجهة الحصار والدمار والحروب المتتالية. لقد أدى غياب السند العربي والإسلامي الفاعل الذي شلّته الأزمات الداخلية إلى استفراد الاحتلال بها لتغدو غزة وشعبها ضحية ثانية لهذه النكسة الشاملة حيث تُركت لتُنزف وسط ركام أمةٍ فقدت توانزها وبوصلتها الحضارية.
واليوم وبعد سنوات طويلة من تلك الفورة يتجلى المشهد عن أضرار مركبّة انهارت العملات وتفككت المجتمعات وغرقت الدول في ديون وفقر طويل الأجل وانكسر النظام الإقليمي العربي وأضحت القرارات تُصنع في مطابخ خارجية وتُركت القضايا الكبرى وعلى رأسها غزة في طي النسيان السياسي بينما ترسخت لدى الأجيال قناعة قاسية بأن التغيير غير المحسوب قد يكلف الأوطان وجودها.
إن الخيبة الكبرى للربيع العربي لا تكمن فقط في التدمير المادي الذي حل بالمدن والبنى التحتية بل في اغتيال فكرة التغيير نفسها. لقد ترسخت لدى الأجيال الحالية قناعةٌ قاسية مفادها أن المطالبة بالإصلاح قد تكلف الوطن وجوده وأن الاستقرار تحت القسوة أهون ألف مرة من الثرثرة بالحرية وسط الركام .
لقد كان الربيع العربي زلزالاً كشف هشاشة البنية السياسية والاجتماعية للجمهوريات العربية وعوضاً عن أن يفرز بستاناً من الديمقراطية أبقى خلفه حقولاً من الرماد وأمّة تبحث بين الركام عن ذاتها المفقودة.
فهل استوعب العرب هذا الدرس القاسي الذي ادخلنا متاهه كبيره ضاعت فيها احلام الشباب وتحطمت عليها الخطط الخمسية للدول .






