إنقلاب يُكافأ
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن سعيد المرزم
10 سبتمبر 2026
في المقال السابق سألت سؤالًا ربما يكون هو مفتاح المأساة اليمنية كلها:
هل يريد المجتمع الدولي إنهاء الحر فعلًا… أم يريد فقط إبقاءها تحت السيطرة؟
واليوم أطرح السؤال الأخطر:
كيف استطاعت جماعة خرجت بالسلاح على الدولة أن تجلس، بعد اثني عشر عامًا، عل الطاولة وكأن المطلوب ليس إنهاء انقلابها، بل الاتفاق معها على شكل الدولة القادمة؟
هذه ليست مسألة لغوية. إنها جوهر ما حدث لليمن.
فالحوثي لم ينتصر فقط عندما سيطر على صنعاء. انتصاره الأخطر كان عندما تغير السؤال الدولي من:
كيف نستعيد الدولة؟ إلى: كيف نتعايش مع الحوثي داخل الدولة؟
من انقلاب يجب إنهاؤه… إلى طرف يجب إرضاؤه.
عندما سيطر الحوثيون على صنعاء عام 2014، كان المشهد واضحًا: مؤسسات دولة سقطت أمام قوة مسلحة. ثم جاءت الحرب. وكان يفترض أن تكون المعادلة بسيطة: دولة مقابل ميليشيا، جيش مقابل سلاح خارج الدولة، شرعية مقابل انقلاب.
لكن السنوات مرت، وشيئًا فشيئًا بدأ المصطلحات تتغير. لم يعد الحديث يدور فقط حول إنهاء الانقلاب، بل عن «الأطراف اليمنية» و«تقاسم السلطة» و«خارطة الطريق».
وهكذا تحولت القوة التي فرضت نفسها بالسلاح من مشكلة مطلوب حلها، إلى طرف مطلوب التوصل إلى حل معه.
الحوثي اكتشف أعظم سلاح في الحرب:
الزمن
الحوثي فهم مبكرًا أنه لا يحتاج إلى أ ينتصر غدًا. يكفيه ألا يُهزم اليوم. لأن كل سنة تمر وهو يحتفظ بصنعاء والسلاح ومؤسسات الأمر الواقع تعني أن ما كان استثنائيًا بالأمس يصبح طبيعيًا اليوم.
بعد سنه تقول: انقلاب
بعد خمس سنوات تقول:
سلطة أمر واقع. بعد عشر سنوات تقول: طرف رئيسي في مستقبل اليمن.
وهكذا يتحول الزمن نفسه إلى أداة سياسية: البقاء حتى يعتاد العالم على وجودك.
ماذا فعل المجتمع الدولي؟
المجتمع الدولي لم يعترف رسميًا بحكومة الحوثي كحكومة شرعية لليمن. وهذه نقطة يجب أن نكون دقيقين فيها.
لكن السياسة لا تُقاس فقط بالاعترافات الرسمية. عندما يصبح الوصول إلى السلام مشروطًا بموافقة جماعة مسلحة، وعندما تصبح مطالبها جزءًا ثابتًا من كل خارطة طريق، فإنها تكتسب اعترافًا سياسيًا بقدرتها على التعطيل. كلما أصبح الحوثي أكثر قدرة على تعطيل السلام، أصبح أكثر ضرورة لصناعة السلام. أي أن قوته التخريبية تحولت تدريجيًا إلى رأس مال تفاوضي.
من يحمل البندقية يحصل على المقعد
تخيلوا الرسالة التي ترسلها التجربة اليمنية لأي جماعة مسلح:
لا تدخل الانتخابات، لا تنتظر التداول السياسي، امتلك السلاح، سيطر على العاصمة، اصمد عشر سنوات، ثم سيأتي العالم ليطلب منك شروطك للسلام.
هذه ليست تسوية سياسية. وإذا لم توضع لها ضوابط صارمة، فقد تصبح مكافأة تاريخية لمن استخدم القوة لفرض أمر واقع.
ولكن أين كانت “الشرعيه”؟
لا يستطيع الحوثي أن يتحول إلى أمر واقع قوي إلا إذا كان خصومه ضعفاء أو متفرقين.
والحقيقة المؤلمة أن المعسكر المعارض للحوثي قضى جزءًا كبيرًا من سنوات الحرب وهو يتنازع داخل مناطقه، بينما حافظ الحوثي على مركز قرار أكثر تماسكًا.
الحوثي كان يقاتل ليحكم، وكثير من خصومه كانوا يتنافسون على من يحكم المناطق التي لم يصل إليها الحوثي.
أخطر ما فعله الحوثي:
نقل الحرب خارج حدود اليمن
لم يعد الحوثي مجرد مشكلة يمنية داخلية. البحر الأحمر، باب المندب، الملاح الدولية، الصواريخ والطائرات المسيّرة، والارتباط بالصراعات الإقليمية؛ كلها جعلته ورقة في معادلة أكبر من اليمن.
فالعالم لم يعد ينظر إليه فقط من زاوية: من يحكم صنعاء؟ بل أيضًا: من يستطيع تهديد البحر الأحمر؟
وماذا تريد إيران؟
لا يمكن فهم الحوثي بمعزل عن البيئة الإقليمية التي منحته القدرة على الصمود والتطور العسكري. لكن الخطأ هو اختزاله بالكامل في كونه مجرد أداة إيرانية.
الأخطر أنه أصبح مشروعًا محليًا مسلحًا ل مصالحه الخاصة، وفي الوقت نفسه جزءًا من شبكة نفوذ إقليمية أوسع:
جذور محلية + سلاح + سلطة أمر واقع + ارتباط إقليمي.
السعودية أمام معادلة مختلفة اليوم
المملكة العربية السعودية لا تستطيع أن تنظر إلى اليمن اليوم كما كانت تنظر إليه عام 2015.
هناك حدود طويلة، والبحر الأحمر، وأمن الملاحة، ومشروعات اقتصادية كبرى، وأمن قومي لا يحتمل بقاء صواريخ وميليشيات مرتبطة بقوة إقليمية على حدود المملكة إلى الأبد.
لذلك فإن السؤال السعودي لم يعد: كيف نخرج من حرب اليمن؟ بل:
أي يمن نريد أن يكون جنوب المملكة خلال الخمسين عامًا القادمة؟
فالانسحاب من الحرب شيء، والانسحاب من الجغرافيا مستحيل.
وماذا عن حضرموت؟
إذا كان الحوثي قد استطاع فرض أمر واقع في شمال اليمن، فلا يجوز أن تكون النتيجة أن يُطلب من حضرموت أن تدفع ثمن التسوية.
حضرموت ليست صندوق تعويضا سياسيًا، وليست مساحة تُضاف لهذا الطرف أو ذاك حتى تكتمل خريطة التسوية. إذا كان العالم يتحدث عن «حقائق الأرض»، فحضرموت أيضًا لها حقيقتها، ولأهلها الحق في أن يكونوا طرفًا أصيلًا في تقرير مستقبل أرضهم.
الحل ليس إبادة الحوثي… ولا التسليم له
يمكن للحوثي أن يكون مكونًا سياسيًا، وأن يدخل الانتخابات ويشارك في الحكومة ويمثل جمهوره. لكن هناك شرطًا لا تقوم دولة بدونه:
لا سلاح فوق سلاح الدولة.
إذا احتفظ الحوثي بصواريخه وطائراته المسيّرة وقواته وقراره العسكري المستقل، ثم دخل الحكومة، فنحن لم نحل المشكلة؛ نكون قد منحنا الميليشيا الدولة والسلاح معًا.
وهنا الاختبار الحقيقي للمبعوث الأممي
السؤال واضح:
هل التسوية ستؤدي ف النهاية إلى دولة تحتكر السلاح والقرار العسكري أم لا؟
إذا كانت الإجابة نعم، فهناك أساس يمكن البناء عليه. أما إذا كانت ستمنح الحوثي حصة في السلطة بينما يبقى محتفظًا بقوته العسكرية المستقلة، فهذه ليست تسوية؛ إنها إعادة صياغة للانقلاب في وثيقة سياسية.
اليمن أمام فرصة لتصحيح المعادلة
المشكلة لم تعد الحوثي وحده. المشكل أصبحت في القواعد التي ستُنهي بها الحرب.
إذا قالت التسوية:
من يملك السلاح يستطيع أن يفرض حصته من الدولة، فإن الحوثي ربما يكون آخر أطراف هذه الحرب، لكنه لن يكون آخر ميليشيا يولدها اليمن.
أما إذا قالت: السياسة للجميع، والسلاح للدولة وحدها، فهنا فقط يمكن أن يبدأ اليمن بالخروج من الحلقة.
السؤال الذي يسبق كل ذلك هو:
أين ستكون الصواريخ في اليوم التالي للسلام؟ ومن سيملك قرار إطلاقها؟
أجيبوا عن هذا السؤال… وستعرفون إن كان ما يُطبخ لليمن سلامًا حقيقيًا أم مجرد هدنة أطول. فالدولة التي تضطر إلى استئذان ميليشيا كي تقرر الحرب والسلام ليست دولة.
والسلام الذي يترك أسباب الحرب مسلح ليس سلامًا.إنه فقط:
الحرب القادمة… مؤجلة إلى إشعار آخر.
المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع






