اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

المطالع السنوية في حضرموت.. فرحٌ بالمناسبة ومحطاتٌ متجددة للتلاحم والذاكرة المجتمعية

المطالع السنوية في حضرموت.. فرحٌ بالمناسبة ومحطاتٌ متجددة للتلاحم والذاكرة المجتمعية

بقلم / أحمد عبدالقادر بن الشيخ أبوبكر
الخميس 10 سبتمبر 2026

تُطلق كلمة «المطالع» في حضرموت على المهرجانات والفعاليات الشعبية السنوية التي تتضمن الألعاب الشعبية ورقصة «الشبواني»، ومساجلات الشعر الشعبي وجلسات الدان.

وترتبط بـ«الحويف»؛ أي الأحياء السكنية، وبـ«العُدد»؛ وهي فرق الرقص الشعبي، وتقام في مناسبات دينية واجتماعية، كذكرى مولد المصطفى ﷺ، وعيد الأضحى، والحوليات اي ذكرى العلماء والشخصيات الاجتماعية.

وللمطالع جذور مرتبطة بتاريخ حضرموت وحروبها، ولست بصدد إيراد تفاصيلها، ولا أدّعي الإلمام بكل ما يتعلق ببرنامج المطالع ولعبة الشبواني وتنوع رقصات العُدد؛ فلها «شنف» وشعار ورواد ومقدم وعقال و«طلعة»، وتشكل لها اللجان، ويُنتخب لها مقدم يحظى بمكانة اجتماعية خاصة ويقدم المشورة.

وقد تختلف بعض تفاصيلها في وادي حضرموت عن ساحلها من حيث الرقص بالعصي أو التروس، والزي والبرنامج واللجان.

ويمتد برنامج المطلع، بحسب المناسبة ومدتها وتنوع فعالياتها، من استقبال العُدد المشاركة إلى السمر ومختلف الفعاليات المصاحبة.

وليست المطالع مجرد احتفالات تنتهي بانطفاء الأضواء، بل إرث اجتماعي وثقافي متجذر، يجمع الفرح بالتلاحم، ويجدد المحبة والتآخي والانتماء، ويؤكد أن حضرموت قادرة على البناء والعطاء متى توحد الهدف.

وفي المطالع تلتقي الأجيال، وتتقارب الحارات والمناطق، وتُفتح الأبواب للضيوف والأهل والأصدقاء، ويتجسد إطعام الطعام وإدخال السرور.

ويتشارك الجميع، كلٌّ بما يجيد؛ فأصحاب المهن يسهمون بخبراتهم، والميسورون بالدعم المادي، والأهالي بالتزيين وتهيئة الحافة، وأهل الخبرة والعقال بالمشورة، والشباب بالحركة والعمل والتدريب على الرقصات والفعاليات.

وقبل موعد انطلاق المطلع، يعمل الجميع كخلية نحل؛ تُشكّل اللجان، وتوزع المهام، وتُعد العُدد والزي والخدمة والبرنامج، ويقود العمل المقدم والعقال وأهل الخبرة والدربة، في فريق واحد وتحت قيادة واحدة، بما يعكس قدرة المجتمع الحضرمي على التنظيم والتعاون حين تتجه الجهود نحو هدف مشترك.

كما تذوب الفوارق والخلافات والانتماءات الحزبية والطائفية والمكونات المختلفة في خدمة الحافة وإنجاح المناسبة، فتتشابك الأيدي على هدف واحد، ويتقدم الانتماء للمجتمع على ما سواه.

وتتجاوز قيمة المطلع الاحتفال، ليكون محطة سنوية للاهتمام بالحافة ومظهرها، من خلال النظافة والترتيب والتجهيز، في صورة تجمع بين الفرح والمسؤولية المجتمعية.

ويمثل كذلك فرصة للتعريف بتاريخ الحارة وشخصياتها ورجالاتها وأصحاب البصمات، وإحياء ذكرى من رحلوا من أهل الفضل والعطاء، لتبقى سيرتهم حاضرة في ذاكرة الأجيال.

ويمنح المطلع الشباب مساحة للمشاركة وتحمل المسؤولية، فيتعلمون التعاون والكرم واحترام الكبير وخدمة المجتمع.

كما تشكل مجالس السمر مدرسة اجتماعية تُستعاد فيها التجارب والذكريات، وتنقل من خلالها القيم والعادات الإيجابية من جيل إلى آخر.
ويثري المطالعَ الشعرُ الشعبي ومساجلاته، بما تحمله من رسائل اجتماعية، ونقد للظواهر، وإشادة بالمواقف والمبادرات، وقد تتناول هموم الناس وقضاياهم ورسائلهم السياسية والاجتماعية، بلغة قريبة من وجدان المجتمع.

ومن أدوار المطالع أيضًا توسيع دائرة التعارف بين مناطق حضرموت، من خلال دعوة العُدد والضيوف وتبادل الزيارات، فتتحول الحارة إلى ملتقى يجمع أبناء مناطق مختلفة، ويعزز وحدة المجتمع وترابطه.

كما يمكن أن تكون هذه الروح التعاونية أساسًا لأعمال تتجاوز المناسبة، من خلال لجان للتعاون في الأفراح والأتراح، والنظر في هموم الحارة ونقلها إلى الجهات المعنية، والاستفادة من روح التكاتف في مبادرات اجتماعية أوسع.

إن المطالع السنوية تستحق الحفظ والتوثيق، لا بوصفها موروثًا احتفاليًا فحسب، بل منظومة اجتماعية وثقافية وتربوية تحفظ الذاكرة، وتربط الشباب بتاريخهم، وتبقي قيم الكرم والتعاون والمحبة حية.

وفي زمن تتسارع فيه المتغيرات وتضعف فيه بعض الروابط الاجتماعية، تحتاج المطالع إلى تطوير يحافظ على أصالتها ويعزز رسالتها، من خلال التوثيق، وإبراز أبعادها الثقافية والتربوية، وإشراك الشباب في تنظيمها واستمرارها.

فالمطالع ليست ليلةً وتنتهي، بل ذاكرةٌ تتجدد، وقيمٌ تُورَّث، وفرحٌ يجمع الناس على المحبة والوفاء.

والمجتمع الحضرمي القادر على الفرح معًا، قادرٌ على العطاء والعمل معًا، وبناء مجتمع نموذجي متماسك، واعٍ بقضاياه، وقادر على حماية حضرموت وهويتها وثرواتها، وحسن استغلالها وتطويرها.

إغلاق