عندما تفقد المنارة بريقها: أزمة التقدير في الميدان التربوي
بقلم / عبدالله سعد الدقيل
الاربعاء 2 سبتمبر 2026
التقليل من قيمة المعلم ليس مجرد سلوك فردي أو تصرف عابر، بل هو أزمة عميقة تمتد آثارها المباشرة لتطال بنية المجتمع المعرفية والأخلاقية، إذ إن النيل من مكانة المعلم يؤدي تلقائياً إلى سقوط البناء التعليمي
حين يشاهد الطالب معلمة ومربيه محط استخفاف أو استهانة، يتسلل الإحباط إلى نفسه ويفقد الشغف بالتحصيل العلمي، لتتحول المؤسسة التعليمية في نظره من منارة لتلقي الفكر والمهارات إلى مجرد مكان لتقضية الوقت. ولأن المعلم يمثل القدوة والركيزة الأساسية في توجيه السلوك، فإن سلب هيبته يفتح الباب واسعاً أمام تفشي الفوضى وضعف الانضباط وتراجع القيم الأخلاقية لدى الناشئة، مما يرسخ لدى هذا الجيل انطباعاً زائفاً بأن العلم والمعرفة لا يمنحان صاحبهما أي قدر أو احترام اجتماعي، ويدفعهم نحو البحث عن النجاح المادي السريع واتخاذ قدوات سطحية بعيدة كل البعد عن الاجتهاد والبحث العلمي.
ينعكس هذا التهميش النفسي والمادي للمعلم بشكل مباشر على جودة المنظومة التعليمية ككل، حيث تتسبب بيئة العمل غير المقدرة في تسرب الكفاءات والخبرات العالية من ميدان التدريس بحثاً عن مجالات أكثر تقديرًا، ومع غياب الدافع والتقدير، تتحول العملية التعليمية من بناء معرفي وتفكير نقدي إلى مجرد حفظ آلي وتلقين عابر لاجتياز الاختبارات، وهو ما يقتل روح الابتكار ويفرغ الشهادات العلمية من مضمونها الحقيقي لتصبح مجرد أوراق شكلية لا تعبر عن مستوى واقعي من الكفاءة.
تمتد هذه الدائرة المغلقة لتلقي بظلالها على المستقبل الحضاري للمجتمع بأكمله؛ فالمجتمعات التي تستهين بمعلميها تعجز عن بناء قاعدة متينة للابتكار ، وتصبح أكثر عرضة للتراجع الفكري لغياب الموجه الناصح والقدوة التنويرية. إن القوة الحقيقية للأمم والشرط الأول لنهضتها يكمنان دائمًا في رد الاعتبار للمربين، فالمعلم هو الحجر الأساس في صياغة عقول الأجيال وتشكيل الوعي الذي يبنى عليه حاضر الأمة ومستقبلها.






