حين تُسند المسؤولية إلى غير أهلها
بقلم / أنوار بازهير
الخميس 27 اغسطس 2026
إن من الحكمة أن لا نسأل من يريد المنصب؛ بل من يستطيع تحمل أمانته؟ فالمناصب لم تكن أبداً امتيازاً شخصياً، أو وسيلة للوجاهة والنفوذ بحد ذاتها؛ إنما هي أمانة تتطلب عقلاً راجحاً في البداية ثم علماً، وخبرة، وقدرة على تحمل تبعات القرار ونتائجه. فالمشكلة والكارثة هنا لا تكمن في أن يتولى الإنسان منصباً إدارياً، وإنما في أن يتولى المسؤولية من ليس لديه أهلية لحملها.
اليوم كما نرى ونسمع؛ اختلت معايير الاختيار، وتقدم التافه على الكفء، وهُمّش صاحب الخبرة، وأصبح الخلل والضرر غير محصورين على الأشخاص؛ بل امتد أثره إلى المؤسسات والمجتمع بأكمله، وأصبحت القرارات رهينة الجهل والارتجال؛ لتضيع بذلك الحقوق بسبب أشخاص يديرون شؤون الناس بعقلية ضئيلة باطنها لا يدرك عظمة المسؤولية وحجمها.
وفي فترة تفكيري لكتابة هذا المقال هنئتني خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي على اختياري، ورفدتني بحديث عن النبي ﷺ الذي حذر فيه من زمن ستختل فيه الموازين، فقال: «إن بين يدي الساعة سنين خداعات، يُكذَّب فيها الصادق، ويُصدَّق فيها الكاذب، ويُخوَّن فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، وينطق فيها الرويبضة». قيل: وما الرويبضة؟ قال: «الرجل التافه في أمر العامة». وفي حديث آخر قال ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع». وقد ذكر أهل العلم أن «لكع ابن لكع» يُراد بها الشخص اللئيم أو الدنيء الذي لا يُؤبه له، فيكون له شأن ومكانة في زمن اختلال الموازين.
أعتقد أن هذه النصوص النبوية قد وضعت أمامنا -وبكل وضوح- صورة خطيرة من صور انقلاب المعايير والارتقاء الفاحش على سلالم المسؤولية في زمننا هذا، فيتقدم بها من لا يستحق التقديم، ويصبح النفوذ، والمظهر، والقدرة على الوصول أهم من القدرة على أداء الأمانة. وإن من خلالها نستطيع أن نرى أن المشكلة ليست في قلة علم الشخص أو ضعف خبرته في حد ذاتها؛ فالإنسان يتعلم ويتطور ويتغير، وإنما المشكلة حينما يُمنح الإنسان سلطة ومسؤولية تفوق قدراته وإمكانياته.
عزيزي القارىء،
عزيزي المسؤول،
الإداريون العظماء،
إن الإدارة الناجحة، والفعالة، والحقيقية لا تحتاج إلى أكثر الناس صخباً وضجيجاً، بل إلى من هم أكثر أمانةً وكفاءةً واتزاناً. وإن الأمانة حين خلقها الله لم تكن تحتاج إلى من يبحث عن الكرسي، بل إلى من يعرف أن الكرسي مسؤولية، وأن وراء كل قرار هنالك حقوق ومصالح وأناس يتأثرون به.
فلا تجعلوا من الحمقى إداريين، وانزلوا الناس منازلهم، وكفانا تملقاً ومجاملة.






