استكمالا لمقال ا.د خالد باوزير حول التهميش المتعد حضرموت
بقلم | مهندس صالح المرزم
الاربعاء 26 أغسطس 2026م
قرأت ما كتبه الأستاذ الدكتور خالد سالم باوزير حول التهميش الدبلوماسي الذي تتعرض له حضرموت، وهو طرح مهم يضع اليد على جانب من اختلالٍ أوسع وأعمق لم يعد من المقبول التعامل معه باعتباره مجرد تقصير إداري أو خطأ في توزيع الوظائف.
فالمسألة في تقديري لم تعد: كم سفيرًا لحضرموت؟ وكم موظفًا حضرميًا في السفارات؟ بل أصبحت: أين حضرموت نفسها من صناعة القرار السياسي والسيادي في دولة تستند إلى أرضها وثرواتها وموانئها وموقعها الجغرافي، بينما يبقى أبناؤها على هامش مؤسساتها؟
أتفق مع الدكتور خالد في مسؤولية السلطات المحلية المتعاقبة، التي كان يفترض أن تدافع عن كفاءات حضرموت وحقوق أبنائها، لكن تحميلها المسؤولية وحدها لا يكفي؛ لأن الإقصاء الحضرمي تجاوز حدود تقصير محافظ أو مسؤول محلي، وتحول عبر عقود إلى اختلال بنيوي في مفهوم الشراكة وتوزيع السلطة والثروة والتمثيل.
ومن المفارقات التي ينبغي التوقف أمامها أن حضرموت كلما تعلق الأمر بالثروة والإيرادات والمساحة والموانئ والموقع الاستراتيجي أصبحت ركنًا أساسيًا في حسابات الدولة، أما عندما يتعلق الأمر بالقرار السيادي والتمثيل السياسي والدبلوماسي والوظائف العليا، فإن حضورها يتراجع بصورة لا تتناسب مطلقًا مع وزنها.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا:
هل المطلوب من حضرموت أن تكون شريكًا في تحمّل أعباء الدولة وتمويلها فقط، بينما تكون حصتها من القرار والتمثيل مجرد فتات؟
إن وجود أربعة سفراء أو خمسة من أبناء حضرموت اليوم، إن صح العدد، لا يشكل جوابًا عن المشكلة؛ لأن القضية ليست عدّ الأشخاص ولا منح الحضارم بعض المناصب بصورة متفرقة. القضية هي وجود معيار مؤسسي عادل ومستدام يضمن تمثيل حضرموت وفق ثقلها السكاني والجغرافي والاقتصادي والسياسي، وفي جميع مؤسسات الدولة السيادية، لا في الخارجية وحدها.
بل إنني أضيف إلى ما طرحه الدكتور خالد ضرورة إجراء كشف حساب وطني واضح: ما نسبة أبناء حضرموت في وزارة الخارجية؟ وكم نسبتهم في البعثات الدبلوماسية؟ وكم نسبتهم في رئاسة الحكومة والوزارات السيادية والهيئات والمؤسسات المركزية؟ وكم حصة حضرموت من الموارد والإنفاق العام مقارنة بما تقدمه؟
الأرقام وحدها ستكشف حقيقة ما يسمى بـ«الشراكة».
أما الجانب الآخر الذي أثاره الدكتور خالد، والمتعلق بالإنفاق الدبلوماسي، فهو بالغ الأهمية. ففي دولة تعاني انهيارًا اقتصاديًا وتراجعًا في الخدمات وعجزًا عن الوفاء بكثير من التزاماتها الأساسية، يصبح من حق الناس معرفة تكلفة السفارات والبعثات وأعداد موظفيها ومبررات بقائها بهذا الحجم.
الدبلوماسية ليست بابًا للمحاصصة ولا مكافأة سياسية ولا وسيلة لإعاشة شبكات النفوذ في الخارج؛ إنها وظيفة سيادية يفترض أن تقوم على الكفاءة والحاجة والمصلحة العامة.
ومن هنا فإن المطلوب ليس فقط إنصاف حضرموت داخل منظومة مختلة، وإنما إصلاح المنظومة نفسها: ترشيح الكفاءات وفق معايير معلنة، مراجعة أعداد البعثات والموظفين، إنهاء التعيينات القائمة على المحاصصة والولاءات، ونشر بيانات الإنفاق الدبلوماسي بشفافية.
وفي الوقت نفسه، على حضرموت أن تتجاوز مرحلة المناشدات الفردية. حقوق بهذا الحجم لا ينبغي أن تبقى مرهونة بخطاب يرفعه محافظ أو قائمة أسماء يقدمها مسؤول، وإنما ينبغي أن تتحول إلى موقف حضرمي مؤسسي موحد يحدد بوضوح حقوق حضرموت في الثروة والقرار والتمثيل والإدارة.
وهنا أصل إلى النقطة الأهم:
إذا كانت الدولة تريد حضرموت شريكًا، فعليها أن تعاملها كشريك كامل، لا كمصدر للثروة والإيرادات عند الحاجة، ثم كطرف هامشي عند توزيع القرار والمناصب.
وإذا استمر هذا النهج، فإن من حق أبناء حضرموت أن يطرحوا سؤالًا أكبر من الوظيفة الدبلوماسية:
ما جدوى الشراكة في دولة لا تعترف بالوزن الحقيقي لحضرموت إلا عندما تحتاج إلى أرضها وثروتها؟
إن إنصاف حضرموت لا يكون بتعيين سفير هنا أو وكيل هناك، وإنما بإعادة تعريف العلاقة معها على أساس الندية والحقوق والتمثيل الحقيقي والإرادة الحضرمية.
ولهذا فإن مقال الدكتور خالد لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه مطالبة بعدد من الوظائف، بل باعتباره جرس إنذار جديدًا بشأن خلل سياسي متراكم. وأرى أن الخطوة التالية يجب أن تكون إعداد ملف حضرمي موثق بالأرقام عن حجم مشاركة حضرموت في مؤسسات الدولة منذ عام 1990 وحتى اليوم، ومقارنة ما قدمته حضرموت للدولة بما حصلت عليه من تمثيل وتنمية وإنفاق عام.
عندها لن نحتاج إلى كثير من الخطابة؛ فالحقائق والأرقام ستتكلم عن نفسها.
حضرموت لا تطلب مِنّة من أحد، ولا تبحث عن وظيفة تُمنح لها تفضّلًا، وإنما تطالب بحق أصيل يتناسب مع مكانتها وثقلها، والأهم من ذلك كله: بحق أبنائها في أن يكونوا أصحاب قرار في حاضر أرضهم ومستقبلها.
#حضرموت
#حضرموت_تقرر_مصيرها
#السعوديه
#صالح_المرزم






