حضرموت بين إطار التأسيس والتسييس
بقلم/ عمار العامري
“صحفي ومحلل سياسي, عضو اللجنة الاعلامية بحركة الإنقاذ الوطني بحضرموت”
حضرموت، تلك الدرة الثمينة التي ربطت في عقود سياسية خبيثة أكثر من مرة، تجد نفسها اليوم أمام مشهد سياسي يعيد إنتاج الأزمة بطريقة مختلفة؛ فحين تطالب بأبسط حقوقها المشروعة، من الخدمات وإدارة الموارد والوظائف والأمن، يأتيها الرد عبر بهرجة سياسية تحت عناوين التنسيق والتمثيل، وكأن المشكلة الأساسية التي تعاني منها حضرموت هي غياب مكوّن سياسي يمثلها.
وهنا تكمن المفارقة؛ فالمواطن الحضرمي لا يعيش أزمة تمثيل بقدر ما يعيش أزمة إدارة وحقوق وخدمات، الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والأمن وفرص العمل وحقوق المحافظة في مواردها ملفات قائمة منذ سنوات، وقد مارست مكونات حضرمية ضغوطاً حقوقية وإعلامية وسياسية بشأنها، وحققت بعض تلك التحركات نتائج ملموسة حين وضعت الجهات الرسمية أمام مسؤولياتها.
لكن المشهد اليوم يُدفع باتجاه آخر: فتح باب تنافسي حول سؤال «من يستحق تمثيل حضرموت؟»، وكأن القضية الحضرمية اختُزلت في هوية الممثل، بينما جوهرها أوسع بكثير، وعندما تتحول البوصلة من المطالبة بالحقوق إلى التنافس على من يملك حق الحديث باسم حضرموت، فإن القضية معرضة للتشتت، وقد يصبح تعدد المكونات وسيلة لإدارة الأزمة بدلاً من معالجتها.
المشكلة ليست في أن يكون لحضرموت مكونات سياسية، فهذا حق طبيعي، وإنما في أن تتحول هذه المكونات إلى غاية بحد ذاتها، أو إلى واجهة سياسية تستهلك اهتمام الناس وتعيد صياغة القضايا في عبارات منمقة تخاطب العاطفة، بينما تبقى الملفات الأساسية معلقة، فحضرموت تحتاج إلى مكونات تضغط من أجل حقوقها، وتراقب أداء السلطة، وتدفع بقضيتها إلى مختلف المستويات، بما فيها الجهات الدولية، لا إلى مكونات تتنافس فيما بينها على لقب «الممثل الشرعي» لحضرموت الذي أنشأ بقرار من السلطة المحلية نفسها.
ولهذا فإن السؤال الأهم اليوم ليس: من يمثل حضرموت؟ بل: من يدافع عن حقوقها فعلياً، ومن يملك مشروعاً واضحاً لإصلاح إدارتها؟ فالخدمات مسؤولية الجهات الرسمية المخولة قانونياً ودستورياً، والموارد تحتاج إلى شفافية وعدالة في إدارتها، والوظائف حق يجب أن تحكمه معايير واضحة، والأمن مسؤولية مؤسسات الدولة، ولا ينبغي لأي وصاية حزبية أو غيرها أن تعرقل الإصلاحات التي تخدم المواطن.
حضرموت أكبر من أن تختزل في مجلس أو مؤتمر أو تنسيقات، وأكبر من أن تتحول قضيتها إلى سوق للمنافسة السياسية، المطلوب أن تنتقل المنافسة من من يتحدث باسم حضرموت؟ إلى من يستطيع أن يخدم حضرموت ويدافع عن حقوق أبنائها ويحقق نتائج ملموسة؟ فهناك فرق كبير بين تأسيس إطار سياسي جديد، وبين تأسيس مسار حقيقي يعيد الحقوق إلى أصحابها ويضع السلطة أمام مسؤولياتها.






