البنكسه: تأملات في سوسيولوجيا الخيانه وتحول النخب
بقلم / أ. عوض بلعيد لكمان
الاربعاء 19 اغسطس 2026
في يناير 2026، لم يسقط نظام سياسي فحسب بل سقطت أسطورة الوطنيه تلك الأسطورة التي كان يغذيها الخطاب الوطني وتتغنى بها أيقونات المقاومة إلى ان تهاوت بعض الشخصيات المحسوبة على المجلس الانتقالي الجنوبي وسارعت إلى تغيير مواقفها حسب “مصلحة الجيب” حيث لم يكن المشهد مجرد انقلاب سياسي عابر بل كان ظاهرة أنثروبولوجية تستحق التأمل الفلسفي.
ففي فلسفة الوجود هناك لحظة تتحول فيها الذات من كائن “من أجل قضية” إلى كائن “من أجل ذاته” فقط هذه اللحظة هي ما يمكن تسميته بـ “الانطواء الوجودي البنكسي”، حيث يتقلص أفق الرؤية من الجماعة إلى الفرد ومن النضال إلى المصلحه ومن الأخلاقي إلى النفعي.
البنكسة، بهذا المعنى ليست مجرد تبدل في الموقف السياسي فحسب بل هي تحول أنطولوجي في بنية الوعي كما إنها الانتقال من وجود “مع الآخر” إلى وجود “ضد الآخر” أو “بمعزل عن الآخر”. فحين تبيع الرموز القضية فإنهم لا يخونو شعباً فحسب بل يخونون انفسهم ونسقهم القيمي الخاص ويهدمون الذات الأخلاقية التي بنو عليها شرعيتهم وهذا يضعنا أمام سؤال إشكالي: هل كان ذلك النسق القيمي موجوداً أصلاً.. أم كان مجرد قناع أدائي؟
ربما تكون البنكسة كشفاً عن انفصام بنيوي بين الخطاب السياسي والبنية التحتية للنفس البشرية حيث يكون الخطاب وهماً والجيب حقيقة وتكون القضية اسماً والمصلحة مسمى.
لكن المأساة الأعمق تكمن في أن المواطن الجنوبي الذي علّق آمال التحرير على تلك القيادات لم يكن يدرك أنه يضع ثقته في كائنات قابلة للتحول وكأنه يبني صرح أحلامه على أرض زلزالية حيث خيبة الأمل لا تأتي من الحليف فحسب ..بل من الرمز الذي يتحول إلى عدو في لحظة امتحان.
فإذا كان المشروع التحرري قائماً على ركيزتين: الشرعية التاريخية (حق الجنوب في استعادة دولته) و الشرعية الشعبية (تفويض الجماهير للقيادات)،فإن البنكسة تضرب الركيزة الثانية في مقتل فكيف يمكن للجماهير أن تمنح ثقتها مجدداً لقادة ثبت أن ولاءهم قابل للتحويل بعملة البنك؟
هنا تبرز مفارقة عميقة وهي أن القيادة التي تتبنكست قد تكون هي ذاتها القيادة التي ستعود لتطالب بالثقة غداً وكأن لا شي قد حدث . وهذا يضع الجنوب العربي أمام أزمة تداول النخب المفتعلة حيث يكون التداول شكلياً والجوهر واحد وهو الاستمرارية في الموقع مع تغيير الشعار.
لكن ما يخفيه هذا المشهد هو أن البنكسة ليست مجرد انعطاف فردي بل هي مرض هيكلي في تكوين النخب نفسها. فمادامت النخب تُنتج في بيئة لا تحاسب فيها على انعطافاتها، ومادام الإفلات من المساءلة هو القاعدة، فستظل البنكسة ظاهرة متكررة وستصبح العباره “حتى صبيح تبنكس ” مثلا شعبيا وليد اللحضه.






