دماء الشباب حطب لصراع الكراسي
بقلم: انسام الفقيه
شهدت السنوات الأخيرة تحولات قاسية طحنت البنية الاجتماعية والنفسية للشباب حيث وجد الكثير من أبناء هذا الجيل أنفسهم أمام خيارات مريرة معدومة الآفاق وفي ظل انسداد أفق الحياة الكريمة وانعدام فرص العمل وتفاقم الأزمات المعيشية والنفسية باتت جبهات القتال بالنسبة لقطاع واسع من الشباب مخرجاً وهمياً أو مهرباً أخيراً للفرار من جحيم الواقع متناسين أنهم يسيرون بأقدامهم نحو حتفهم.
الهروب من الجحيم إلى الموت
لا يعد إقبال بعض الشباب على الجبهات قراراً عسكرياً مبنياً على قناعات وطنية خالصة في كثير من الأحيان بقدر ما هو هروب نفسي واجتماعي عندما يغلق المجتمع ابواب الأمل في وجه الشاب ويحرمه من أبسط مقومات العيش ويحاصره البطالة والعجز عن بناء مستقبل أو تكوين أسرة يتحول الشعور بالإحباط والعدمية إلى طاقة مدمرة
في هذه اللحظة الحرجة يجد الشاب نفسه عرضة للاستقطاب إذ تستغل هشاشته النفسية عبر خطابات حماسية توهمهم بأن الموت في الجبهات هو الخلاص الوحيد أو البطولة التي ستخلدهم هكذا يقرر الشاب التضحية بحياته الثمينة لا طمعاً في نصر حقيقي بل بحثاً عن نهاية لمعاناة يومية لا أفق لانتهائها
المفارقة الموجعة التضحية في مقابل النعيم.
أكثر ما يدمي القلب في هذه المعادلة المظلمة هو حجم التناقض الصارخ بين قاعدة الهرم وقمته بينما يُدفع الشباب إلى أتون المعارك وتزف الجنازات تباعاً إلى بيوت فقيرة ومعدمة تنعم قيادات أطراف الصراع وعائلاتهم بأرغد عيش وأفخم النعم
في الجبهات شباب يافعون بلا دروع واقية يتجرعون مرارة الجوع والخوف ويتركون خلفهم أمهات ثكالى وعائلات تكابد الفقر المدقع
في العواصم والمنتجعات أبناء القيادات يرتادون أفضل الجامعات وينعمون ببحبوحة العيش ويسافرون بلا قيود ويتقاسمون الغنائم والمكاسب السياسية والمالية بعيداً عن دحرج البارود وأهوال الحرب.
هذه المفارقة لا تمثل فقط ظلماً اجتماعياً صارخاً بل هي خيانة أخلاقية كبرى لمفهوم القيادة والمسؤولية فالقائد الحقيقي هو من يتقدم الصفوف ويشارك جنوده الوجع والمصير لا من يتخذ من دماء الأبرياء سلماً يحميه ويحافظ على امتيازاته وأمواله.
إن استمرار هذا النزيف البشري يتطلب وقفة جادة ومراجعة عميقة من المجتمع بأسره، وخصوصاً من جيل الشباب أنفسهم يجب إدراك الحقيقة المرة أنه لا ضير في التضحية من أجل المبادئ لكن العار كل العار أن تتحول أرواح الشباب إلى ورقة تفاوض ووقود لحروب عبثية لا ناقة لهم فيها ولا جمل .
إن الوعي الحقيقي يبدأ برفض هذا الاستغلال الرخيص لحماس الشباب ويأسهم فالحياة التي مُنحت للإنسان هي أمانة مقدسة والوقوف في وجه الظلم يكون ببناء المستقبل والتشبث بالحياة وصناعة الأمل لا بالاستجابة لنداءات الموت التي لا تخدم سوى المستفيدين من ديمومة الصراع
حان الوقت ليُدرك الجميع أن دماء الشباب أغلى من أن تهدر على طاولات مصالح المنتفعين وأن الوطن يُبنى بسواعد الأحياء الأحرار لا بأشلاء الضحايا المغرر بهم.






