اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

قتلٌ بلا رحمة… حين تتصدّع القيم قبل الأرواح!!

قتلٌ بلا رحمة… حين تتصدّع القيم قبل الأرواح!!

بقلم./ محمد مبروك الشنيني
الثلاثاء ٤/ أغسطس/٢٠٢٦.

ليست كل جريمةٍ تُقاس بعدد ضحاياها، فبعض الجرائم تتجاوز حدود الدم لتصيب ضمير المجتمع بأكمله. وما تشهده مدينة الشحر في الآونة الأخيرة من حوادث قتلٍ متكررة، وما يصاحبها من مشاهد قاسية وتفاصيل صادمة، لم يعد مجرد أخبارٍ عابرة تتناقلها وسائل التواصل الاجتماعي، بل أصبح ناقوس خطرٍ يدعونا جميعًا إلى وقفة تأملٍ جادة، ومراجعةٍ مسؤولة، قبل أن تتسع دائرة الخطر ويغدو الاستثناء واقعًا مألوفًا.
وما يثير القلق حقًا ليس ازدياد عدد الجرائم فحسب، وإنما التحول المقلق في طبيعتها. فقد أصبحت بعض جرائم القتل تُرتكب ببرودٍ يبعث على الذهول، داخل الأسرة الواحدة، أو بين أبناء العمومة، أو بين أفرادٍ تجمعهم رابطة النسب والأخوة والجوار والانتماء إلى القبيلة، حيث كان يُفترض أن تكون المودة سياجًا، والرحمة حصنًا، وصلة الرحم حاجزًا يمنع الانزلاق إلى هاوية العنف.
وهذا التحول لا ينسجم مع الصورة التي عُرفت بها حضرموت عبر تاريخها؛ فهي أرضٌ اشتهرت برجاحة العقل، وسمو الأخلاق، وإيثار الصلح على الخصومة، والحكمة على التهور، حتى غدت نموذجًا للاستقرار الاجتماعي والتعايش. ولذلك فإن وقوع مثل هذه الجرائم في بيئةٍ عُرفت بهذا الإرث الأخلاقي يفرض علينا أن نتساءل بصدق: ماذا تغيّر في النفوس؟ وأين بدأت الشروخ التي سمحت للعنف أن يجد له موطئ قدم بيننا؟
إن ما شهدته منطقة الحقلة، وغيرها من الحوادث المؤلمة، ينبغي ألا يُقرأ بوصفه حادثةً معزولة، بل باعتباره رسالة إنذار تستوجب دراسةً علميةً واجتماعيةً ونفسية، للكشف عن الأسباب الحقيقية التي تقف وراء هذا التحول، قبل أن تتحول الوقائع الفردية إلى ظاهرةٍ يصعب احتواؤها أو الحد من آثارها.
ومن الخطأ أن نختزل القضية في بعدها الأمني وحده. فمهما بلغت يقظة الأجهزة الأمنية، فلن تستطيع أن تضع رجل شرطة داخل كل منزل، أو بين كل أخ وأخيه، أو بين أبناء الأسرة الواحدة، أو بين القريب وقريبه. فالأمن يحمي المجتمع، لكنه لا يصنع القيم، ولا يغرس الرحمة، ولا يعيد بناء النفوس.
إن مسؤولية الوقاية مسؤولية جماعية، تبدأ من الأسرة التي تغرس الأخلاق في نفوس أبنائها، وتمر بالمدرسة التي تبني الوعي، والمسجد الذي يحيي الضمير، والإعلام الذي يرسخ ثقافة الحوار، والمجتمع الذي يعزز قيم التسامح والتكافل، وصولًا إلى مؤسسات الدولة التي يقع على عاتقها توفير العدالة، وتحسين الظروف المعيشية، ورعاية الشباب، وتجفيف منابع العنف قبل أن تتحول إلى مآسٍ دامية.
واليوم، ونحن نرى هذه الحوادث المؤلمة تتكرر، فإن الواجب يقتضي أن نتعامل معها باعتبارها قضية مجتمع بأسره، لا مجرد ملفات جنائية تنتهي بإغلاق محاضر التحقيق. فحماية الإنسان تبدأ قبل وقوع الجريمة، ببناء الوعي، وترسيخ الأخلاق، وتعزيز ثقافة الحوار، حتى تبقى حضرموت كما عرفها التاريخ… أرضًا للسلام، وموطنًا للحكمة، وسياجًا للقيم التي صانت مجتمعها عبر الأجيال.

إغلاق