اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

تُستباحُ الأرض عندما تَهُون القبيلة (نموذج حضرموت)

تُستباحُ الأرض عندما تَهُون القبيلة (نموذج حضرموت)

بقلم / جابر عبدالله الجريدي
الجمعة 31 يـولـيـو 2026

إنَّ الأساس الذي تحمى به الأرض هو أبنائها، المجتمع الذي يعيش على تلك الرقعة الجغرافية هو وحده من يشعر بالإنتماء إليها، فهي نسبه الحضاري، وإرثه العريق، وهويته الراسخة التي تربطه بالحياة، فكرامته تأتي من الحفاظ على الأرض، وثقافته من إعمارها، وإرثه من التمسك بما كان عليه الأولين، فإذا ضعف الإنتماء ماتت في قلوبهم الحمية، واستسلم أبناء الأرض لكل عابثٍ لاعب، لذلك أول مايكون الإستهداف من الأعداء في محاولتهم ضرب الهوية ومسخها.

القبيلة هي العماد القوي الذي تركن إليه الأرض لتحميها من الطامعين، هي الساس المتين لكل أرض، فمتى ماتخللها قصور كلما ضعفت إرادتها، وكسرت شوكتها، واستهان بها الجميع، فالمجتمع العربي أولى القبيلة إهتماماً بارزاً، فهي حجر الأمان والدفاع عن الأرض في حال وجد هناك معتدين، ومتى تمسكت القبيلة بالأعراف والأسلاف والقيم السامية التي عرف بها العرب كانت أقوى، فإذا كانت القبيلة قوية كانت الأرض قوية، فتاريخ الأرض مرتبط بساكنيها، وحضرموت كان لها تاريخاً ضارباً منذ بدء الخليقة إذ سكنها الأولين وكان لهم تاريخاً كبيراً جعلت من مسمى حضرموت شيئاً عظيماً، وإسماً زاخراً بالإنجاز والعطاء.
لذلك الأمر فإن نظام أي سلطة حاكمة دائماً مايتجه إلى القبيلة، إما يحتويها في ذلك النظام، أم يستبدها ويقمعها ويرغمها على الإتباع، فتخيل يا من تقرأ أن القبيلة لها طابع خاص فهي تنتمي إلى ولائها إلى مقدم القبيلة وشيخها، فأفراد القبيلة مستعدين للبذل للشيخهم، فأينما تقدم تبعوه، وبذلك فذاك الرأس في القبيلة يتبعه الآلاف من أفرادها، فكسبه غنيمة، وعداءه مصيبه، فالحكم المستبد الطاغية يقمعها، والعادل يسعى لكسبها وتوحيدها وتقويتها لأن الأرض عمادها القبيلة، فالقبيلة هي غالبية المجتمع وهي أكثر تعبيرا من فئات المجتمع عن الجماعة والإجتماع، قوة القبيلة قوة الأرض، وتمسكها بالقيم والمحافظة على المبادئ يعني تمسك الأرض بجبروتها ومكانتها، الأرض والقبيلة شيئان متوازيان متكاملان، فالقبيلة هي العنصر الفاعل في المجتمع، ونعرض عليكم مجموعة من الأمثلة المختصرة التي تحكي علاقة النظام بالحكم وموقفه من القبيلة.

.حكم النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته كانت تتركز على العلاقة مع القبيلة العربية، بدأت من محاولة إقناع قريش، وعزت ببيعة قبيلتي الأوس والخزرج، وبعدها توالت القبائل لبيعة الرسول صلى الله عليه وسلم، فكان أول نداء له في بطون قريش والإحتماء بقبيلته بني هاشم، فحكم بالعدل واحتواء المجتمع كله واهتم بالقببلة كأحد ركائز القوة والمنعة فبلغت صدى دعوته الآفاق.

.فرعون حاكم مصر الظالم المستبد الطاغية المجرم، وحتى ينفذ مخططه الخبيث بالإستبداد والإجرام فكك القبيلة وعادى بعضها ببعض، حتى تفردها واحدة واحدة، فاستحكم القبيلة الضعيفة ليوظفها لرغباته، وأما القبائل الكبيرة فكان يعاملها بالقمع حتى لا تستظهر عليه وتناهض نظامه الفاجر الماكر وقصته يدري عنها القاصي والداني.

الأمثلة من حضرموت تاريخياً وبداية ضعف القبيلة وسقوطها في مخططات الأنظمة الحاكمة حتى وهنت وأصبحت مطيتها وبعدها أستبيحت أرض حضرموت والسيطرة والإستحواذ على مقدراتها وخيراتها:

.العهد الأيوبي عندما أهملت حضرموت مما جنى بأهلها محاولة إعلان الإستقلال عنها أرسلت الدولة الإيوبية أكثر القادة جرماً بها، فأتى حضرموت ولديه جيش جرار حتى وصفت المعركة مابينه والحضارم بالإبادة الجمعية، في محاولة لكسر وقمع جموح القبيلة التي استثارت دفاعاً عن حقوقها وبحثاً لتكون إرادت أهل الأرض هي من تخطط شؤونهم الخاصة، بعيداً عن التهميش والإجحاف، فكانت القبيلة هي من تدافع عن حقوق الأرض ومكتسباتها.

.عهد الإحتلال البريطاني ،كانت خطة بريطانيا من إحتلال حضرموت هي وضعها خط دفاع متقدم لتأمين نفوذها على ميناء عدن، لا لجعل حضرموت نموذج يوازي عدن وإعمارها، بل سعت بريطانيا لجعل النزاع حاد في حضرموت بين أبنائها حتى تبقى منطقة فارغة من أي مشروع حضرمي سيتطور، بريطانيا هي أكثر دولة أجنبية درست المجتمعات العربية جيداً، فكانت في حضرموت ترسل المستشرقين البريطانيين إلى مناطق القبائل كمصطلح الإستخبارات الحالي، فكانت تستعطفها وتحاول إحتوائها لأن بريطانيا كانت تفكر بالبقاء في هذه المناطق إلى الأبد وهي مؤثرة على واقع منطقتنا العربية حتى اليوم ولم تخرج قط كلياً من أرضنا، فكانت بريطانيا حتى تستحوذ وتحكم حضرموت القت الفتنة بين قبائلها خاصة السلطنات فيها، وترسل المستشرقين للدراسة الدقيقة للجغرافيا والمجتمع الحضرمي وتستعطف أبناء البادية من حضرموت حتى لا يقلبوا الطاولة عليهم يوماً ما.

.الحزب الإشتراكي والشيوعية كان نظاماً عالميا مؤثراً، وكان من أكبر الأقطاب الفكرية في العالم ولها معسكر كبير يدافع عنها وهو الإتحاد السوفيتي، فكان لحضرموت نصيباً من ذلك الإحتلال الا مباشر الإجرامي، فكان ذلك النظام قائماً على القمع والظلم وأول مابدأ بقمع بعض المعارضين من أبناء القبيلة بطريقة وحشية يندى لها الجبين، وتستنكره الإنسانية السليمة، فحيدت القبيلة في حضرموت من إطار الدولة، بل حاولت السلطة في ذلك النظام من تغييبها كلياً.

. ثم أتى نظام الرأسمالية بقيادة رئيس السلطة فيه علي عبدالله صالح وكان لحضرموت نصيباً، لكن هذه المرة إختلف التعامل كلياً فكانت السلطة تسعى لإستقطاب القبيلة ومحاولة تسليطها على إدارة المصالح الضيقة، فاستقطب علي صالح رؤوساء القبيلة في حضرموت إلى صفه ومنحهم بعض الإمتيازات حتى لا يظهر صوت القبيلة الحقيقي، فأدخلت القبيلة الحضرمية ووظفت في سبيل تحقيق مصالح السلطة المركزية الفاسدة التي تسعى لتكوين رأس مال كبير لمنتسبيها، فكان الفتات يمنح لبعض رؤوساء القبيلة حتى تصمت الأفواه، بمقابل ذلك تستباح أرضنا حضرموت وتستنزف كل خيراتها وبركاتها، حتى ضاعت سمعتها ومكانتها بين الأمم.

.الرسالة إلى الحضارم لابد من معالجة حقيقية لدور القبيلة في المجتمع، وعلى رؤوسائها إرجاع هيبة القبيلة إلى ماكانت عليه ومايجب أن تكون عليه، فيكون الإلتزام بالصلح والإستقرار والقيم والمبادئ السامية العربية من الأنفة ونصرة الحق والدفاع عن الأرض، والرجوع إلى ما وجهته الشريعة الإسلامية ورسخته من مبادئ جعلت القبيلة العربية في أوج قوامها ومكانتها، فإنه لما ضعف دور القبيلة الحقيقي في حضرموت أستبيحت أرضنا، وضاع قرارنا، وهان قوامنا، وأصبحنا عالة على أنفسنا وأهلنا وأرضنا، كالخراف أين ماتوجه بها راعيها ذهبت بذلك الإتجاه، فعلينا أن نراجع أنفسنا، ونستعيد هيبتها ومكانتها، ففي قوة القبيلة قوة المجتمع، وفي تلاحم وتكاتف أبناء المجتمع تكون قوتهم وعزتهم، على الحضارم أن يكونوا صفاً واحداً فهنا يمكننا إستعادة أمجادنا، ونبني مستقبلاً يليق بإرثنا وتاريخنا.

إغلاق