صناعة المسؤول الإمّعة… حين تصبح الطاعة بديلاً عن الكفاءة
الجمعة 31 يوليو 2026م
بقلم / عوض باشعيوث
لم تعد أزمة الدولة في واقعنا تكمن في ندرة الكفاءات أو غياب الرجال القادرين على إدارة مؤسساتها، بل في وجود إرادة ممنهجة لإقصاء أصحاب النزاهة واستبدالهم بمسؤولين لا يملكون من مؤهلات القيادة سوى الطاعة المطلقة والانصياع للأوامر، ولو كانت على حساب القانون والمصلحة العامة.
إن واقعاً تهيمن عليه عقليات أمراء الحرب وشبكات الفيد لا يمكن أن ينتج رجل دولة حقيقياً، لأن رجل الدولة يؤمن بالمؤسسات وسيادة القانون، بينما تؤمن تلك العقليات بالغنيمة وتقاسم النفوذ وتوسيع دوائر الولاء الشخصي.
في ظل هذه البيئة، يجري تفريغ مؤسسات الدولة من مضمونها الحقيقي، وتتحول الوزارات والمكاتب التنفيذية من مؤسسات لخدمة المواطنين إلى مراكز جباية مقننة، ومنافذ لحماية المصالح الضيقة، وتسهيل نهب الموارد والثروات العامة. وهكذا يصبح المنصب وسيلة للإثراء والنفوذ، لا مسؤولية وطنية وأخلاقية.
ولأن منظومة الفساد لا تستقيم بوجود مسؤول نزيه، فإنها تعتبر كل صاحب مبدأ خطراً عليها. فالموظف الذي يتمسك بالقانون، ويرفض التوقيع على الصفقات المشبوهة، أو يمتنع عن تنفيذ الإملاءات الفاسدة، يتحول إلى عقبة ينبغي إزاحتها، لا إلى نموذج ينبغي دعمه. لذلك يكون الإقصاء مصير كل من يؤمن بالأخلاق الوظيفية، بينما تفتح أبواب الترقي أمام من يجيدون الطاعة والتبعية أكثر من إجادتهم للعمل والإدارة.
وهكذا تصبح التبعية المطلقة هي المؤهل الأهم لشغل المناصب، وتتراجع معايير الكفاءة والخبرة والنزاهة إلى الهامش. ويجري باستمرار تصنيع “مسؤول إمّعة” جديد، يلبّي متطلبات المرحلة، ويحافظ على استمرار منظومة الفساد، ويضمن بقاء مراكز النفوذ بمنأى عن أي مساءلة أو إصلاح.
إن أخطر ما تصنعه هذه السياسة ليس فقط إضعاف مؤسسات الدولة، بل قتل الأمل لدى الأجيال بأن النزاهة والعمل الجاد يمكن أن يكونا طريقاً للنجاح. وعندما يفقد المجتمع ثقته بالعدالة وتكافؤ الفرص، تتآكل هيبة الدولة، وتتوسع الفجوة بين السلطة والمواطن.
“قليلون حول الوطن… كثيرون حول السلطة.”
ليست مجرد عبارة، بل توصيف دقيق لواقعٍ يُقدَّم فيه الولاء على الكفاءة، وتُكافأ فيه التبعية أكثر من النزاهة، حتى يصبح الوطن آخر المستفيدين من سلطة يفترض أنها وجدت لخدمته. فالدول لا تنهار حين يقل الرجال، بل حين يُقصى رجال الدولة ويُستبدلون بأتباع لا يرون في المنصب سوى وسيلة لإرضاء مراكز النفوذ.






