المجلس التنسيقي.. خطأ استراتيجي يفتح أبواب حضرموت للاختراق السياسي
بقلم | المحامي صالح باحتيلي النعماني-
لم يكن قرار عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت، سالم الخنبشي، بتشكيل اللجنة التحضيرية للمجلس التنسيقي الأعلى للقوى والمكونات السياسية والمجتمعية الحضرمية خطوة نحو توحيد الصف الحضرمي، بل يبدو أنه فتح الباب أمام أكبر خطأ استراتيجي قد تواجهه القضية الحضرمية في هذه المرحلة، الامر الذي يستدعي سحبه فوا.
فمنذ اللحظة الأولى لصدور القرار، كانت ملامح هذا الخطأ واضحة، وجاءت النقاشات التي أعقبته لتؤكد أن اللجنة ولدت وهي تحمل في داخلها بذور الفشل، لأنها جمعت أطرافًا لا تختلف في الوسائل فقط، بل تتصادم في الأهداف والمرجعيات والمصير السياسي الذي تسعى إليه
كيف يمكن أن يجلس تحت سقف واحد من يؤمن بأن حضرموت صاحبة قضية مستقلة ولها الحق في تقرير مصيرها، مع من يعلن صراحة أن حضرموت ليست سوى جزء من الجنوب ولا يقر أصلًا بوجود قضية حضرمية مستقلة؟ هذا ليس اختلافًا سياسيًا يمكن احتواؤه، بل تناقض وجودي لا يمكن التوفيق بين طرفيه.
فماذا سيقول أحمد بن بريك، نائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، في أول اجتماع للجنة؟ عند وضع العقد التأسيسي هل سيتخلى هو او فادي باعوم عن المشروع الذي يمثله؟ هل سيعلن فجأة أن حضرموت ليست جزءًا من الجنوب؟ بالتأكيد لا. سيظل متمسكًا بعقيدة المجلس الانتقالي التي تعتبر حضرموت جزءًا من الجنوب العربي، ويرفض أي مشروع يقوم على استقلال القرار الحضرمي أو حق حضرموت في تقرير مصيرها خارج ذلك الإطار، ثم تاتي الخطوات القادمة و هي الحديث عن نسبة المجلس الانتقالي، ثم التمثيل العادل للأحزاب والكيانات الجنوبية الأخرى، ثم جر حضرموت الى مشروع الجنوب اليمني.
ومن هنا تكمن الخطورة. فالمسألة ليست مشاركة شكلية، بل إدخال طرف يحمل مشروعًا سياسيًا مناقضًا إلى قلب المؤسسة التي يُفترض أنها تدافع عن مشروع حضرموت. وهذا يعني، أن الاختراق لم يعد احتمالًا، بل أصبح جزءًا من بنية المجلس منذ يومه الأول.
لم يعرف التاريخ السياسي حركة تحرر أو قضية وطنية استدعت خصوم مشروعها، الذي خاضت معهم قتالا شرسا قبل عدة اشهر، ليشاركوا في رسم مستقبلها. فالمنطق يقول إن من يعارض الهدف لن يعمل على تحقيقه، بل سيستخدم كل الأدوات المتاحة لتعطيله أو إعادة توجيهه بما يخدم مشروعه هو، وهذا ما يجعلنا كحضارم نتسأل لماذا اذا اعتبرنا دخول قوات المجلس الانتقالي حضرموت هو اعتداء على سيادة حضرموت، وتداعينا الى محاربتها واخراجها من حضرموت في يناير 2026؟
ولهذا، فإن قبول المجلس الانتقالي بالمشاركة لا يمكن تفسيره، على أنه تنازل عن مشروعه، وبكل تأكيد لن يكون استدعاء ممثلي القضية الجنوبية من الحضارم سيساعد على خلخلة صفوف من يعتقدون ان حضرموت جزء من الجنوب، بل انها كارثة سياسية بكل المقاييس، وفرصة تاريخية تشبه مشروع الحضارم مع الجبهة القومية حتى انقضت عليهم، وفرصة للتأثير في مسار القضية الحضرمية من الداخل، وإعادة ربطها بمشروع الجنوب عبر أدوات قانونية وسياسية يصعب الطعن فيها لاحقًا.
والأخطر من ذلك أن أصحاب مشروع حضرموت يدخلون هذه المواجهة، بعقيدة ضعيفة، تظهر بوضوح في تجنب مصطلحات كحق تقرير المصير، وهم أقل تنظيمًا وأضعف تماسكًا، بينما يدخلها ممثلو المجلس الانتقالي بعقيدة سياسية قوية، وتنظيم محكم، وخبرة طويلة في إدارة الصراع السياسي، وسيطرحون أسس جديدة أولها، ان لامعنى لمصطلح حق تقرير المصير لحضرموت لأننا لا نؤمن به، ومصطلح حضرموت ضمن فيدرالية الجنوب، وهو الأساس الذي برر لهم الهجوم على حضرموت والمهرة وسقطرى، وعندما يجتمع وضوح الهدف مع قوة التنظيم، تكون النتيجة في الغالب لصالح الطرف الأكثر استعدادًا.
لذلك، فإن استمرار اللجنة بهذا التكوين لن يكون، سوى استنزاف للوقت وإهدار لفرصة تاريخية، وقد يتحول إلى بوابة لتفريغ القضية الحضرمية من مضمونها وإعادة إنتاجها وفق رؤية تختلف جذريًا عن الرؤية التي يتبناها أنصار استقلال القرار الحضرمي وحق تقرير المصير.
ويبقى السؤال الذي لا يمكن تجاهله: ماذا كان يريد المحافظ من هذا القرار؟
إذا كان مقتنعًا بأن مستقبل حضرموت هو أن تكون جزءًا من الجنوب، فإن قراره يبدو منسجمًا مع هذا التوجه وهو سليم واستراتيجي مائة في المائة. أما إذا كان يهدف إلى تأسيس مشروع حضرمي مستقل قائم على حق أبناء حضرموت في تقرير مصيرهم، فإن إشراك قوى تعلن رفضها لهذا الهدف منذ البداية يمثل خطأً استراتيجيًا بالغ الخطورة، لأنه منح خصوم المشروع مقاعد داخل المؤسسة التي يُفترض أن تحميه. ومن هذا المنظور، فإن نجاح أي إطار سياسي جديد يتطلب أولًا وضوحًا في الهدف النهائي، ثم اختيار الشركاء الذين يتوافقون مع هذا الهدف.
إن القضايا الوطنية لا تُبنى بالمجاملات السياسية، ولا تُدار بمنطق الجمع بين المشاريع المتناقضة. فمن يجمع بين مشروعين متصادمين لن يصنع توافقًا، بل سيصنع صراعًا داخل البيت الواحد، وقد تكون النتيجة أن يخسر أصحاب القضية مشروعهم بأيديهم، لا على يد خصومهم.
المحامي صالح باحتيلي النعماني- محام مترافع امام المحكمة العليا






