لا دولة قوية دون مكافحة الفساد
بقلم | م.ظافر الجابري
السبت 25 يوليو 2026
(كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى )
جاءت هذه الآية الكريمة لتقرر حقيقة خالدة … فالنفس البشرية قد تطغى عندما تشعر أنها بمنأى عن المحاسبة أو أن سلطتها ونفوذها يضعانها فوق القانون … ومن أجل ذلك جاءت الشرائع والأنظمة لتجعل الرقابة والمساءلة أساسًا لحماية الحقوق وصيانة المال العام لأن غياب المحاسبة هو أول أبواب الفساد.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي بلد ليس قلة موارده وإنما انتشار الفساد المالي والإداري حتى يصبح واقعًا يتعايش معه الناس … فعندما يتحول المنصب العام من أمانة لخدمة الوطن والمواطن إلى مغنم لتحقيق المصالح الشخصية تتراجع هيبة الدولة وتضعف مؤسساتها وتتآكل ثقة المواطن بها.
وللأسف عندما يتفشى الفساد ويصبح أمرًا مألوفًا لا يعود المواطن يتحدث عن حالات فردية بل عن منظومة تحتاج إلى إصلاح جذري … عندها تتعثر المشاريع وتُهدر الموارد وتتراجع الخدمات ويصبح أصحاب الكفاءة آخر من تُمنح لهم الفرص بينما تتقدم المصالح الضيقة على المصلحة العامة.
وقد صدق القائل (من أمن العقوبة أساء الأدب) فالمساءلة ليست وسيلة للانتقام وإنما صمام أمان يحفظ هيبة الدولة ويصون المال العام أما عندما يعتقد المسؤول أن منصبه يحميه من المحاسبة فإن الفساد يجد بيئة خصبة للنمو والانتشار.
لقد أثبتت التجارب أن مكافحة الفساد هي البداية الحقيقية لبناء الدولة ولهذا جعلت المملكة العربية السعودية بقيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مكافحة الفساد إحدى أولويات مشروعها الإصلاحي انطلاقًا من قناعة بأن التنمية والاستثمار وبناء المؤسسات لا يمكن أن تتحقق في بيئة يغيب عنها الانضباط والمساءلة كما برزت في العراق جهود رسمية جعلت مكافحة الفساد ضمن أولويات الإصلاح إدراكًا بأن قوة الدولة تبدأ من قوة مؤسساتها ونزاهتها.
إن بناء مؤسسات قوية لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات بل إلى قرارات جريئة تعيد الاعتبار لسيادة القانون ويأتي في مقدمة ذلك تفعيل الأجهزة الرقابية وتعزيز استقلال القضاء وإنشاء رقم ساخن وطني ومنصات آمنة لاستقبال بلاغات المواطنين عن أي شبهة فساد مع حماية المبلغين والتحقيق في البلاغات بجدية وشفافية.
كما أن دولة المؤسسات لا تكتمل إلا عندما يكون القانون فوق الجميع فالحصانة وُجدت لحماية أداء الوظيفة العامة لا لحماية الفساد وإذا توفرت الأدلة والإجراءات القانونية فلا بد أن تكون هناك آليات واضحة لمساءلة أي مسؤول أيًا كان موقعه لأن العدالة لا تعرف الاستثناءات.
إن قوة البلاد لا تُقاس بحجم ثرواتها وإنما بقدرتها على حماية تلك الثروات من العبث ولن تستعيد الدولة قوتها ولن يثق المواطن بمؤسساتها إلا عندما يدرك الجميع أن المنصب تكليف لا تشريف وأن المال العام أمانة وأن لا أحد فوق القانون … فمكافحة الفساد ليست خيارًا بل هي الطريق الأقصر لبناء دولة قوية واقتصاد مزدهر ومستقبل يليق بالأجيال القادمة.






