جاهزية العقول عندما تصبح الكذبة حقيقة؟؟؟
بقلم | فيصل بن مسلم
الجمعة 24 يوليو 2026
سنوات طويلة مضت ونحن نوجّه أصابع الاتهام نحو صنّاع الأخبار الكاذبة؛ نلوم المطابع الخفية، الحسابات الوهمية، والصفحات المتسارعة على وسائل التواصل الاجتماعي التي تتغذى على إثارة الذعر تحت لافتات “عاجل” او نشر اخبار كاذبةكنا نتعجب من جرأة هؤلاء على صياغة سيناريوهات تتنافى مع العقل والمنطق، محتفظين بيقين داخلي مفاده: «مهما أتقنوا الكذبة، لن يصدقها أحد».
لكنّ هذا اليقين يتلاشى تدريجياً أمام واقع صادم؛ عندما ترى عينات عشوائية من المجتمع—بينهم متعلمون ومثقفون—تردد هذه الإشاعات بثقة يأسرة، وتدافع عنها، بل وتنشرها على نطاق أوسع. هنا يفرض السؤال الحقيقي نفسه: هل المشكلة فعلاً في جودة الكذبة، أم في جاهزية العقول لتصديقها؟
الأخبار الكاذبة التي تنتشر كالنار في الهشيم لا تعتمد على المنطق؛ بل تلعب على أوتار الخوف، الأمل، والانتماء:
العاطفة المتأرجحة: الخُبر المثير للذعر أو المشحون بالعاطفة يتجاوز الفلاتر العقلية بسرعة، لأن المشاعر تقود الاستجابة قبل أن يتسنى للمنطق أن يعمل.
الانتشار الجماعي (ضغط الأقران): عندما يرى الفرد أن العشرات في دائريته يشاركون خبراً ما، يترسخ لديه شعور زائف بالأمان والصدقية؛ فـ “الجميع يتحدث عن هذا، فلا بد أنه صحيح”.
البساطة الساحرة: توفر الإشاعات دائماً إجابات سريعة وبسيطة لظواهر معقدة أو غامضة، والعقل البشري يفضل دائماً التفسير السهل على الحقيقة المركبة.
الكذبة مجرد شرارة.. والبيئة هي الوقود
إن إدراك أن المشكلة تكمن في «القابلية للتصديق» ينقلنا من موقع الملاحظ المنفعل إلى موقع الوعي والتحليل. صانع الخبر الكاذب لا يخترع شيئاً من الفراغ؛ هو فقط يضع الميكروفون أمام الرغبات والخاوف الدفينة لدى الناس.
إذا كانت البيئة الفكرية تعاني من ضعف التفكير النقدي، وتعتمد على منصات التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي وموثوق للمعلومة، فإن أعتى الأكاذيب وأكثرها غرابة ستجد لها أرضاً خصبة للنمو.
كيف نحمي عقولنا من هذا الفخ؟
مواجهة الأخبار الكاذبة لا تبدأ بإغلاق الحسابات الوهمية فحسب، بل تبدأ ببناء “مناعة فكرية” لدى الفرد. وهذا يتطلب خطوات بسيطة ولكنها حاسمة:
التريث والتوقف: التوقف لعدة ثوانٍ قبل التفاعل مع أي خبر يحمل طابع “عاجل” أو يثير عاطفة قوية.
البحث عن المصدر الأصلي: التساؤل دائماً: من الذي ينقل هذا الخبر؟ وهل تقف خلفه مؤسسة موثوقة أم حساب مجهول؟
التشكيك في القناعات الشخصية: التساؤل بجرأة: هل أصدق هذا الخبر لأنه حقيقي، أم فقط لأنه يوافق ما أتمنى حدوثه؟
خاتمة
إن المعركة الحقيقية في عصر المعلومات ليست ضد من يزيفون الحقيقة، بل ضد جهلنا بآليات عقولنا وكيفية استغلالها. الكذبة ستظل مجرد كلمة لا قيمة لها، حتى نمنحها نحن بجهلنا وعدم تثبتنا.. صلاحية المرور.






