اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

حضرموت وإعادة تشكيل المعادلة الجنوبية

حضرموت وإعادة تشكيل المعادلة الجنوبية

بقلم/ عوض باشعيوث
الجمعة 24 يوليو 2026م

لم تعد حضرموت مجرد محافظة ذات ثقل جغرافي واقتصادي، بل أضحت اليوم مركزاً رئيسياً لإعادة تشكيل موازين القوة الأمنية والسياسية في جنوب اليمن. فالتطورات المتسارعة في المحافظة تعكس انتقال الصراع من مرحلة تثبيت النفوذ إلى مرحلة إعادة هندسة المشهد الجنوبي برمته، في ظل تنافس إقليمي وحسابات محلية تتداخل بصورة معقدة.

لقد أدارت كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة الملف الجنوبي خلال السنوات الماضية وفق رؤى ومصالح ليست متطابقة بالضرورة. ففي حين ركزت الإمارات على بناء نفوذها عبر تشكيلات أمنية وعسكرية وحلفاء سياسيين، سعت السعودية إلى الحفاظ على توازنات أوسع تمنع انفراد أي طرف بتمثيل الجنوب أو احتكار القرار السياسي والعسكري. ومع تصاعد التعقيدات، أصبحت حضرموت الساحة الأكثر حساسية لاختبار هذه التوازنات.

هذا الواقع ينعكس بصورة مباشرة على مستقبل المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يواجه تحديات متزايدة تتعلق بقدرته على المحافظة على موقعه ممثلاً وحيداً للقضية الجنوبية، في ظل تنامي الدعوات إلى شراكة سياسية أوسع، وإشراك مختلف القوى والمكونات الجنوبية في أي تسوية قادمة. كما أن استمرار الأزمات الخدمية والاقتصادية أوجد حالة من التذمر الشعبي، جعلت شرعية الأداء محل نقاش متزايد، بصرف النظر عن الشعارات السياسية.

وفي المقابل، يبرز الدور السعودي في حضرموت باعتباره عاملاً مؤثراً في رسم ملامح المرحلة المقبلة، سواء عبر دعم الاستقرار الأمني أو من خلال الدفع نحو ترتيبات سياسية أكثر توازناً. ويبدو أن الرياض تنظر إلى حضرموت باعتبارها مفتاحاً لمنع انفجار الصراع الداخلي، وضمان عدم انزلاق الجنوب إلى صدامات بين مكوناته المختلفة، وهو ما يفسر اهتمامها المتزايد بالمشهد الحضرمي.

أما السيناريو الأكثر ترجيحاً، فيبدو أنه يتجه نحو إعادة صياغة التمثيل الجنوبي على قاعدة الشراكة لا الاحتكار، بحيث تكون حضرموت رقماً صعباً في أي معادلة سياسية مقبلة، وليس مجرد مساحة نفوذ لهذا الطرف أو ذاك. فالمزاج الشعبي، كما تعكسه مواقف شرائح مختلفة، يميل إلى البحث عن مشروع سياسي يضع مصالح المواطنين والخدمات والاستقرار فوق حسابات الاستقطاب والصراع.

إن مستقبل الجنوب لن تحدده موازين القوة العسكرية وحدها، بل ستحسمه أيضاً قدرة القوى السياسية على بناء شراكة وطنية تستوعب التنوع الجنوبي وتحترم خصوصية المحافظات المختلفة. وستظل حضرموت، بما تمتلكه من ثقل اقتصادي وسياسي واجتماعي، قلب هذه المعادلة، والمحور الذي ستدور حوله كثير من استحقاقات المرحلة القادمة، بعيداً عن منطق الإقصاء، وقريباً من منطق التوافق الذي يفرضه الواقع أكثر مما تفرضه الرغبات.

إغلاق