كهرباء حضرموت بين وهم “المنحة” ونزيف “شراء الطاقة”: لماذا غابت التوربينات الغازية؟
بقلم | حسن صالح الكاف
الخميس 23 يوليو 2026
تستمر أزمة الكهرباء في حضرموت في تصدر واجهة المعاناة اليومية للمواطنين، وفي كل صيف تتكرر ذات المشاهد والوعود، حيث تخرج التغطيات الإعلامية لتُبشّر بدخول مولدات إسعافية جديدة إلى الخدمة كـ “منح وهدايا” تُنقذ المحافظة من لهيب الصيف.
غير أن القراءة الدقيقة لما خلف الكواليس تكشف واقعاً مختلفاً تماماً يُغَيَّب فيه الرأي العام عن حقيقة الصورة؛ إذ إن المولدات التي يُروَّج لها في الإعلام على أنها مكرمة أو دعم مجاني، ليست في حقيقتها سوى عقود تجارية لشراء الطاقة مع شركات استثمارية.
والأدهى من ذلك أن معظم هذه المولدات الحاوية هي أصول مستعملة ومتهالكة أكل عليها الدهر وشرب، نُقلت بعد انتهاء عمرها الافتراضي لتُفرغ قدراتها المحدودة في شبكتنا المتهالكة.
هذه الـ 100 ميجاواط التي أُقيمت لها الهالات الإعلامية، تتساوى استهلاكياً مع منشأة خدمية واحدة كمطار دولي أو مركز بيانات ضخم، مما يكشف ضآلة هذه الحلول الإسعافية أمام الاحتياج الفعلي للمحافظة.
هذا التوصيف الخاطئ يخلق انطباعاً زائفاً لدى الشارع، بينما الواقع يشير إلى أن المؤسسة العامة للكهرباء والسلطات المحلية تتحمل التزامات مالية باهظة بالعملة الصعبة مقابل استئجار هذه المولدات وشراء كل كيلوواط/ساعة تنتجه، ناهيك عن الكلفة التشغيلية العالية في وحدات توليد ضعيفة الكفاءة ومستمرة الأعطال.
وفي المقابل، تظل الحلول الجذرية الاقتصادية بعيدة عن التنفيذ رغم جهوزية دراساتها وجدواها الفنية المتكاملة؛ حيث يُجمع الخبراء على أن الحل المستدام لكهرباء حضرموت (خصوصاً في الوادي والامتدادات المجاورة) يكمن في إقامة محطات توليد تعمل بالتوربينات الغازية، وتحديداً في مناطق الامتياز النفطي مثل “الخشعة” للاستفادة من الغاز الطبيعي المصاحب والمحروق هباءً.
وكان من المفترض أن يُنفذ هذا المشروع الاستراتيجي ويُمول من خلال المخصصات والحصص النفطية المحددة لحضرموت، وهو حق مكفول لأبناء المحافظة لبناء أصول ومحطات مملوكة بالكامل للمؤسسة العامة للكهرباء.
لكن السؤال البارز يظل: لماذا تُعرقل التوربينات الغازية وتتوقف قراراتها في أروقة “الجهات العليا”، بينما تُفتح الأبواب واسعة لعقود شراء الطاقة والمولدات المستأجرة؟
إن العائق الحقيقي لم يكن يوماً نقصاً في الموارد أو العجز الفني، بل هو غياب الإرادة والارتهان لقرار سياسي متخبط يفضل التغطية على شبكات المصالح وتأجيل الحلول الجذرية، ليظل المواطن الحضرمي يدفع ثمن الحسابات والتعطيل السياسي من استقراره وحياته اليومية.






