اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

حين يصمت المثقف… من يقود معركة الوعي؟

حين يصمت المثقف… من يقود معركة الوعي؟

بقلم / عوض باشعيوث
السبت 18 يوليو 2026م

في الأزمات الكبرى التي تمر بها الشعوب، لا تكون مسؤولية السياسي وحده هي الفيصل، بل تتقدم النخب المثقفة وأساتذة الجامعات والمفكرون إلى واجهة المشهد بوصفهم الضمير الحي للمجتمع، وحملة الوعي، وصناع الرأي العام. فهم ليسوا مجرد حملة شهادات علمية، وإنما أصحاب رسالة يفترض أن تتجاوز أسوار الجامعات إلى ميادين الحياة، حيث يقف الإنسان البسيط باحثًا عن حقه في العيش الكريم.
لكن المشهد الذي نعيشه اليوم يفرض سؤالًا مشروعًا: أين المثقف من معاناة الناس؟ وأين الأستاذ الجامعي من قضايا المجتمع التي تتفاقم يومًا بعد آخر؟
لقد اتسعت الفجوة بين قطاع من النخبة الأكاديمية وبين المجتمع، حتى بدا وكأن المعرفة تحولت إلى امتياز شخصي أكثر من كونها مسؤولية وطنية. وفي الوقت الذي تتزايد فيه معاناة المواطنين نتيجة تراجع الخدمات، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتآكل الحقوق الأساسية، يغيب كثير من أصحاب الفكر عن ساحات التنوير والتوعية، فلا يُسمع لهم صوت في الدفاع عن الحقوق العامة، ولا يُرى لهم حضور في تشكيل وعي مجتمعي قادر على المطالبة بحقوقه بالوسائل السلمية والقانونية.
إن الأمم لا تنهض بالسياسيين وحدهم، وإنما تنهض حين تتحول الجامعات إلى مراكز لإنتاج الوعي، ويتحول أساتذتها إلى قادة رأي يلامسون هموم المجتمع، ويقودون حركة التغيير الفكري والاجتماعي، ويغرسون في نفوس المواطنين ثقافة الحقوق والواجبات والمواطنة والمسؤولية.
ليس المطلوب من المثقف أن يتحول إلى سياسي أو ناشط حزبي، بل أن يؤدي رسالته الأخلاقية والعلمية، وأن يكون منحازًا للحقيقة والعدالة والإنسان، وأن يسهم في كشف أسباب الأزمات، واقتراح الحلول، وتبسيط المعرفة للناس، وتعريفهم بحقوقهم الدستورية والقانونية، وكيفية الدفاع عنها بالوسائل المشروعة.
لقد أثبتت تجارب الشعوب أن كل تغيير حقيقي سبقته ثورة في الوعي، وأن هذه الثورة لم يصنعها أصحاب المال أو النفوذ، بل صنعها أصحاب الفكر الذين آمنوا بأن رسالتهم تبدأ من الإنسان وتنتهي إليه.
إن الصمت أمام اتساع دائرة الفقر، وتدهور الخدمات، وغياب العدالة، لا ينسجم مع الدور التاريخي الذي يفترض أن تنهض به النخب العلمية. فالمجتمع لا يحتاج إلى مثقف يراقب الأحداث من بعيد، بقدر حاجته إلى مثقف ينزل إلى الميدان، يستمع إلى الناس، ويفسر لهم واقعهم، ويمنحهم أدوات الفهم، ويزرع فيهم الثقة بأن الحقوق لا تُمنح صدقة، وإنما تُنتزع بالوعي والتنظيم والعمل السلمي.
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، تقع على عاتق المثقفين وأساتذة الجامعات مسؤولية تاريخية في إعادة بناء الوعي الجمعي، وإحياء روح المبادرة، ومواجهة ثقافة الاستسلام واليأس، والمساهمة في صناعة رأي عام يدافع عن الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.
فالأوطان لا تبنيها النخب المنعزلة، ولا يحمي مستقبلها الصامتون. وإنما يصنعها أولئك الذين يجعلون من العلم رسالة، ومن الفكر موقفًا، ومن الكلمة مسؤولية، ومن الوقوف إلى جانب الناس واجبًا لا يقبل التأجيل.
إن التاريخ لا يتذكر أصحاب المناصب بقدر ما يتذكر أولئك الذين انحازوا إلى شعوبهم في اللحظات الفاصلة، فكانوا مشاعل للوعي، ومنارات للحقيقة، وشركاء في صناعة مستقبل أكثر عدلًا وكرامة.

إغلاق