اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

دماء على الطريق

دماء على الطريق

بقلم / م. اشرف حيمد قفزان
السبت 18 يوليو 2026

ليست الشوارع مجرد مسارات من الأسفلت والتراب تعبرها الآلات بل هي في حقيقتها المساحة العامة المشتركة الأكثر دلالة على رقي المجتمعات أو انحدارها. في شوارعنا تلتقي كل فئات المجتمع الطبيب والمعلم والتاجر والعامل والطفل والشيخ الكبير. ومن هنا فإن الطريقة التي ندير بها حركة المرور في هذه المساحة المشتركة تعكس بدقة متناهية مستوى وعينا الجماعي ومدى احترامنا لقيمة الإنسان.
ما نشهده اليوم من تمادٍ في تجاهل قوانين السير واستسهال القيادة بلا رخص ولا تدريب والجهل المطبق بأبجديات أولوية المرور لم يعد مجرد مخالفات بسيطه بل تحول إلى نزيف قسري للأرواح والطاقات وظاهرة تنذر بتهتك النسيج الأخلاقي والاجتماعي قبل القانوني.
عندما تغيب مدارس القيادة المؤسسية ويغيب معها التدقيق الصارم في منح رخص القيادة يقع الشارع في فخ العشوائية المطلقة. في هذه البيئة تختفي مفاهيم حق الطريق وأولوية السير لتقدم مكاناً لثقافة مشوهة قوامها الأولوية لمن يندفع أولاً ولمن يملك قوة الاستهتار اولمن يضغط على المنبه بقوة أكبر.
إن التمادي في هذا الوضع يحول شوارعنا من شرايين للحياة إلى ساحات للمواجهة والتوجس. يسير السائق العاقل وهو يشعر بأنه مستهدف في أي لحظة بسباق متهور أو التفاف مفاجئ من سيارة يقودها مراهق لم يتعلم يوماً كيف يضغط على المكابح قبل المنعطفات أو كيف يحترم قدسية الدوار. هذا العبث ليس عفويا في كثير من الأحيان بل هو نتائج حتمية لثقافات خاطئة سمحنا بها جميعاً.
إن خطورة هذا التمادي لا تقف عند حدود الحديد الملتوي أو الخدوش على المركبات بل إن الفاتورة الحقيقية تُدفع من لحم ودم هذا المجتمع.خلف كل رقم في إحصائيات الحوادث تقبع قصة إنسانية مفجعة شاب في مقتبل العمر يرحل تاركاً غصة في قلب أمه أو رب أسرة يصاب بعجز دائم يحوله من معيل إلى محتاج أو طفل بريء يدهس عند عتبة سوق أو مدرسة بسبب سرعة جنونية في حي سكني.
في ظل ظروف معيشية واقتصادية بالغة الصعوبة تأتي الحوادث المرورية لتعمق جراح الأسر ماديّاً. الملايين المستنزفة في إصلاح المركبات وشراء قطع الغيار وتحمل تكاليف العلاج والعمليات الجراحية في المستشفيات هي أموال كان الأولى بها أن تدعم استقرار الأسر وتعليم الأبناء لكنها تذهب ضحية للحظة طيش أو استهتار بإشارة مرور.
المعضلة الأكبر في هذا الملف ليست في غياب الأجهزة التنظيمية فحسب بل في حالة التطبيع المجتمعي مع الخطأ لقد اعتادت أعيننا على رؤية أطفال يقودون سيارات ودراجات نارية واعتدنا على رؤية التجاوزات الخاطئة والخطرة دون أن تحرك فينا رغبة في الإنكار أو التوجيه.
إن غياب مؤسسات الدولة الرسمية لتعليم القيادة وضبط الشارع يضع المجتمع كاملاً أمام مسؤولية أخلاقية وتاريخية. لا يمكننا الوقوف في مربع المتفرجين بانتظار حلول سحرية تهبط من السماء عندما يغيب الرقيب القانوني يجب أن يستيقظ الرقيب الداخلي.
يجب أن يدرك الآباء والأخوة الكبار أن تسليم مفتاح سيارة لشاب لم ينضج عقلياً ولم يتعلم فقه السلامة ليس دليلاً على الثقة أو المكافأة بل هو مساهمة مباشرة في تعريض حياته وحياة الآخرين للخطر.
يجب أن يتحول الحديث عن السلامة المرورية واحترام حقوق المشاة والراكبين من موضوع كمالي إلى قضية أمن مجتمعي مستعجله تُناقش في خطب الجمعة وتُطرح في مجالس الوجهاء وتُصاغ حولها ميثاق شرف محلي لحظر القيادة المتهورة وتجريم الاستهتار.
إن الثقافة المرورية ليست مجرد نصوص صماء في كتب القانون بل هي تطبيقات عملية لمفهوم كف الأذى عن الطريق الذي حثنا عليه ديننا الحنيف وهي تجسيد للمروءة والشهامة الإنسانية التي تأنف أن تروع آمناً أو تتسبب في إعاقة عابر سبيل.
حان الوقت ليرتفع صوت العقلاء والمثقفين ولتتحرك غيرة الآباء ولنصنع من وعينا المجتمعي سياجاً يحمي أرواح أبنائنا ويقود شوارعنا نحو بر الأمان. حفظ الله لنا ولكم كل عزيز وغالي وحمانا من كل مكروه.

إغلاق