اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

إلى لَقَلات… حيث يتعانق التاريخ والكرم في وادي العين

إلى لَقَلات… حيث يتعانق التاريخ والكرم في وادي العين

بقلم / محمود علي باعباد

ليست كل الرحلات انتقالًا بين الأمكنة، بل إن بعضها ارتحالٌ إلى عمق التاريخ، واستعادةٌ لمعاني الإنسان في أبهى صوره. وهكذا كانت رحلتنا يوم الثلاثاء الماضي إلى منطقة لَقَلات بوادي العين، حيث تشرفت بزيارة الأخ الكريم الأستاذ أبوبكر بن سعيد بن عبدالرحيم باوزير (أبو علي) في مزرعته، يرافقني الروائي والأديب السيد حسن بن عبيدالله السقاف، والدكتور أحمد باحارثة أستاذ الأدب، فكانت رحلة امتزج فيها جمال المكان بثراء الحديث، وأصالة الضيافة بعبق التاريخ.
منذ أن أخذ الطريق يشق وادي العين، كانت حضرموت تكشف عن جانب من شخصيتها الفريدة؛ جبال شامخة نحتتها القرون، وأودية احتضنت الإنسان منذ أقدم العصور، ونخيل باسقات تعلن انتصار الحياة على قسوة الطبيعة. هنا لا تبدو الأرض صامتة، بل تتحدث بلغة التاريخ، وتحكي سيرة أجيالٍ تعاقبت، فصنعت حضارةً ما زالت آثارها حاضرة في المكان والإنسان.
إن حضرموت ليست مجرد إقليم جغرافي، بل هي واحدة من أعرق الحواضر العربية، تعاقبت عليها الممالك، وازدهرت فيها التجارة، وخرج منها العلماء والفقهاء والدعاة والتجار الذين حملوا رسالة الإسلام والأخلاق إلى سواحل شرق إفريقيا وجزر جنوب شرق آسيا، فارتبط اسم حضرموت في ذاكرة الشعوب بالعلم والأمانة والاستقامة قبل أن يرتبط بالثراء أو النفوذ.
ولما وصلنا إلى مزرعة الأستاذ أبوبكر باوزير، كان الاستقبال على قدر ما عُرف به الرجل من دماثة الخلق وكرم السجايا. جلسنا في مكان يفيض سكينة؛ الأشجار تحيط بنا، والنخيل يلامس السماء، والنسيم يحمل عبق الأرض، حتى يخيل إلى الزائر أن الزمن هنا يسير على مهل، احترامًا لجمال المكان وهدوء أهله.
ولم يكن الحديث عابرًا، بل دار بين الأدب والتاريخ، وبين حاضر حضرموت ومستقبلها. وكان لرفيقي الرحلة، الروائي السيد حسن بن عبيدالله السقاف، والدكتور أحمد باحارثة، أثر واضح في إثراء المجلس؛ فالأول ينظر إلى المكان بعين السارد الذي يقرأ تفاصيله، والثاني يستحضره بعين الأديب الذي يربط الجمال باللغة، فامتزجت الرواية بالأدب، والتاريخ بالفكر، في حوار اتسم بالعمق والرصانة.
وتوقفنا طويلًا عند هموم حضرموت، تلك الأرض التي أنجبت الرجال وصنعت الأمجاد، لكنها لا تزال تتطلع إلى مزيد من التنمية والاستقرار، وإلى مشروع ينهض بالإنسان قبل العمران، ويحفظ هويتها الثقافية، ويصون إرثها التاريخي، ويستثمر ما تملكه من طاقات بشرية وثروات طبيعية، لتستعيد المكانة التي تستحقها بين الأقاليم العربية.
وكان من دواعي سروري أن تكون هذه الزيارة إلى أحد بيوت آل باوزير، وهي أسرة حضرمية عريقة كان لها حضورها في الحياة العلمية والاجتماعية والإدارية في حضرموت عبر أجيال متعاقبة، وأسهم أبناؤها في خدمة مجتمعهم في مجالات متعددة، فجمعوا بين العلم والإدارة والإصلاح الاجتماعي، وظلت مجالسهم مفتوحة للناس، ومواقفهم حاضرة في خدمة الصالح العام.
ويُعد من أبرز أعلام هذه الأسرة الشيخ عمر بن عبد الرحمن باوزير، المشهور بلقب مولى الثَّغْر، الذي ترك أثرًا واسعًا في الحياة الدينية والاجتماعية بحضرموت. فقد عُرف بالعلم والورع والإصلاح، وكان مجلسه مقصدًا لطلاب العلم وعامة الناس، وأسهم في نشر قيم الاعتدال والتسامح، وإصلاح ذات البين، وتعزيز الروابط الاجتماعية، وهي رسالة تركت بصمتها في الوسط الحضرمي، واستمرت آثارها في تلامذته ومحبيه، وفي الإرث العلمي والاجتماعي الذي ارتبط باسمه.
وغادرنا لَقَلات ونحن نحمل معنا ما هو أثمن من صور الطريق وجمال المزارع؛ حملنا ذكرى مجلسٍ عامرٍ بالمودة، وحوارٍ راقٍ يؤكد أن الأمم لا تبنى بالحجارة وحدها، بل تبنى بالعقول، وبالرجال الذين يفتحون بيوتهم قبل قلوبهم، ويؤمنون بأن الكلمة الصادقة، والفكرة المخلصة، واللقاء الهادف، هي بداية كل مشروع إصلاح.
فشكرًا للأستاذ أبوبكر بن سعيد بن عبدالرحيم باوزير (أبو علي) على كريم الضيافة ونبل الاستقبال، والشكر موصول لرفيقي الرحلة السيد حسن بن عبيدالله السقاف والدكتور أحمد باحارثة على ما أضفياه من متعة فكرية وأدبية، سائلًا الله أن يحفظ حضرموت، وأن تبقى وديانها ومزارعها وبيوتها العامرة مناراتٍ للأصالة، وشواهد حية على حضارة لا تزال قادرة على صناعة المستقبل كما صنعت أمجاد الماضي.

إغلاق