اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

تفكيك المركز المقدس:ثلاث عواصم لليمن الجديد على خطى تجربة جنوب أفريقيا

تفكيك المركز المقدس:ثلاث عواصم لليمن الجديد على خطى تجربة جنوب أفريقيا

( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : عبدالهادي عبداللاه التميمي
رئيس اللجنة التحضيرية للمجلس الموحد للمحافظات الشرقية.
6 يوليو 2026

لطالما تحولت عدن، في محطات تاريخية مختلفة، إلى مركزٍ مماثلٍ لمركزية صنعاء، التي كانت بدورها مركزًا عاصفًا للاستحواذ والقرار. واليوم، يقف اليمن أمام استحقاق تاريخي يرفض فيه أبناء الأقاليم الغنية بالثروة والخصوصية والهوية، مثل حضرموت، إعادة إنتاج المركز المقدس تحت أي مسمى.
المعادلة الصعبة تكمن في كيفية الحفاظ على الوحدة السياسية والجغرافية للدولة، مع منح الاستقلالية العادلة للأقاليم، دون السقوط في فخ التمزق.
هنا تبرز تجربة جنوب أفريقيا كملهمٍ عبقري؛ فبعد انتهاء نظام الفصل العنصري (الأبارتايد) وما خلّفه من مظالم هائلة، لم تلجأ إلى مركزية خانقة، بل أسست نظامًا فدراليًا ذكيًا وزعت فيه السلطة على ثلاث عواصم سيادية: تنفيذية، وتشريعية، وقضائية.
لقد عانت الجغرافيا اليمنية، شمالًا وجنوبًا، من لعنة سياسية واحدة أفسدت الاستقرار وهددت النسيج الاجتماعي، وهي تمركز السلطة والقرار. إن تجارب المركزية المطلقة، سواء في صنعاء عبر عقود، أو في عدن في محطات سياسية سابقة، أثبتت أنها تجارب مريرة لم تنتج سوى التهميش، واستنزاف ثروات الأطراف لصالح النخب المركزية، وتوليد حروب دورية للسيطرة على مفاتيح العاصمة.
واليوم، ومع تصاعد التوجس المشترك من العودة إلى هيمنة المركز القديم، وبروز التطلعات المشروعة لأبناء حضرموت وبقية الأقاليم في إدارة شؤونهم بأنفسهم بعيدًا عن الوصاية، أصبح لزامًا علينا ابتكار معادلة سياسية شجاعة؛ معادلة تحافظ على الكل الجغرافي والسياسي في إطار عادل، وتقطع دابر الاستبداد المركزي إلى الأبد.
إن الإجابة لا تكمن في استنساخ النماذج التقليدية، بل في دراسة تكاملية لتوزيع السلطة عبر الجغرافيا، وهنا تبرز تجربة جمهورية جنوب أفريقيا كطوق نجاة فكري وسياسي.
كيف تجاوزت جنوب أفريقيا مظالمها؟
عندما خرجت جنوب أفريقيا من وطأة نظام الأبارتايد، واجهت مجتمعًا ممزقًا وتوجسات هائلة، وتطلعات متباينة للأقاليم والعرقيات. لكنها لم تؤسس لعاصمة واحدة تلتهم البلاد، بل عمدت إلى توزيع السيادة الدستورية عبر تثليث العواصم:
بريتوريا: العاصمة التنفيذية (مقر الحكومة والرئاسة)
كيب تاون: العاصمة التشريعية (مقر البرلمان)
بلومفونتين: العاصمة القضائية (مقر المحكمة العليا)
لم يكن هذا التوزيع ترفًا إداريًا، بل هندسة سياسية لمنع صناعة طاغية مركزي جديد، وتحقيق توازن وطني يشعر فيه الجميع بأنهم شركاء في القرار السيادي، وليسوا مجرد رعايا ينتظرون فتات المركز.
الحجج القوية لتطبيق النموذج في اليمن:
تحطيم عقدة الهيمنة وجبر الضرر التاريخي
إن توزيع السلطات السيادية الثلاث (التنفيذية، التشريعية، القضائية) على أقاليم متعددة يضمن عدم قدرة أي طرف على اختطاف الدولة بمجرد السيطرة على مدينة واحدة، حيث تبقى بقية مفاصل الدولة محصنة.
تلبية طموحات حضرموت وحفظ استقرار الدولة
عندما تتحول حضرموت إلى عاصمة سيادية ضمن الدولة الاتحادية، فإن التخوف من نزعات الانفصال يتراجع، وتتحول التطلعات إلى شراكة حقيقية في قيادة الدولة وحمايتها.
المقترح:
عدن: العاصمة التنفيذية (الرئاسة والحكومة والبعثات الدبلوماسية)
صنعاء: العاصمة التشريعية (بعد استعادة الدولة – البرلمان والمجلس الاتحادي)
المكلا (حضرموت): العاصمة القضائية والرقابية (المحكمة الاتحادية العليا، الهيئات الرقابية، ومؤسسات النقد والثروة)
بهذه المعادلة، تصبح حضرموت شريكًا رئيسيًا في قيادة الدولة وصمام أمان اقتصادي، وتتحول من هامش إلى مركز تأثير.
تحقيق التنمية المتوازنة
إن حصر العاصمة في مدينة واحدة أدى تاريخيًا إلى تكدس سكاني وخدمي واقتصادي مرعب، بينما بقيت الأطراف محرومة. توزيع العواصم يعني توزيع المشاريع والبنية التحتية والاستثمارات والوظائف بشكل عادل.
صياغة هوية وطنية جامعة
بدلًا من صهر الهويات في قالب مركزي واحد، يتيح هذا النموذج الاعتراف بالخصوصيات المحلية، ويعزز مفهوم الدولة بوصفها كيانًا ممتدًا ومتكاملًا.
الخاتمة:
خيار المستقبل أو الانزلاق نحو التفتت
إن الخوف من المستقبل لا يُعالج بالهروب إلى الماضي، ولا بفرض الوحدة بالقوة، ولا بالقبول بالتشرذم. إن الفدرالية متعددة المراكز السيادية تمثل الصيغة الواقعية لإنقاذ اليمن.
إنها تمنح أبناء حضرموت وبقية الأقاليم ضمانة دستورية حقيقية بأن ثرواتهم وقرارهم لن يخضعا مجددًا لمزاج النخب المركزية، وفي الوقت ذاته تحفظ لصنعاء وعدن دورهما التاريخي والريادي.
لقد حان الوقت لامتلاك شجاعة القرار، وصياغة عقد اجتماعي جديد يدرك أن قوة الاتحاد تكمن في توزيع أركانه، لا في احتكارها.

المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع

إغلاق