اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

​أسبوع على اغتيال محمد عيضة

​أسبوع على اغتيال محمد عيضة

بقلم | صلاح مبارك
الخميس 2 يوليو 2026

​تصرم أسبوع كامل على اغتيال الزميل محمد عيضة، مراسل قناتي «العربية» و«الحدث» في حضرموت، ولا تزال الحقيقة مُعتقَلة في أقبية الغموض.. أسبوع مضى ودائرة الصمت تتسع؛ فلا لجان التحقيق «المزعومة» أفصحت عن خيط يدل على الجناة، ولا السلطات الأمنية نفضت عن كاهلها غبار العجز لتكشف ملابسات ذلك الهجوم الآثم، وتُحيل المتورطين إلى العدالة.

​في يوم الاثنين الماضي، و لدى مشاركتي في الوقفة التضامنية التي نظّمها صحفيون وحقوقيون في مدينة المكلا، كان الهواء مثقلًا بالأسئلة والمخاوف المقلقة.. و حين التفَّ حولي بعض الزملاء من مراسلي القنوات الفضائية والمنصات الإعلامية يستنطقون قراءتي وموقفي من الحدث، لم أجد مفرًا من مصارحتهم بوجع الحقيقة ؛ وهي الخشية من أن تنضم جريمة اغتيال محمد عيضة إلى سجل «القيد ضد مجهول»، لتلحق بقائمة طويلة من الجرائم الدامية التي اتخذت من حضرموت مسرحًا لها منذ أواخر العام 2010م، وحصدت أرواح قيادات وضباط أمنيين وعسكريين وشخصيات وطنية فذة، قبل أن يُهال على ملفاتها التراب وتُطوى في عتمة النسيان.

​وقفة المكلا هذه تميزت بحضور نوعي، التقى فيها زملاء الكلمة والمدافعون عن الحقوق، جنبًا إلى جنب مع أسرة الفقيد المغدور به يتقدمهم والده الكريم وأطفاله، في حراك لم يكن معزولًا ؛ فالوقفات التضامنية التي تلتها واحتضنتها مدن تعز، ومأرب، والغيظة، أكدت بما لا يدع مجالًا للشك أن الوجع في هذا الوطن المكلوم والمتشرذم واحد، وأن الاستهداف المحموم لمهنة الصحافة هو طعنة غادرة في خاصرته.

​وخلف التناول الصحفي للحدث، تكمن المأساة الإنسانية في أقصى تجلياتها وأشدها إيلامًا.. لم تسعف السنون ولا القوى جسد والدة محمد، تلك المرأة السبعينية المنهكة، على الصمود؛ إذ خانتها قدماها وهي تواجه الكاميرات والميكروفونات لتشهد على الحقيقة الفاجعة، لتسقط في تلك اللحظة القاسية، بينما كانت عدسات القنوات الفضائية تنقل للعالم المشدوه صورة أمٍ فقدت أبنها ظلمًا وعدوانًا.

​لقد كانت تلك الصدمة والدموع الحارقة لوالدة وشقيقة محمد عيضة، والتي وثقتها عدسات صحفيي تعز، تلخيصًا مكثفًا لقصة عائلة فُجعَت في سندها، واختطفت منها الأقدار ابنًا بارًا وأخًا غاليًا لم يتوقعوا يومًا أن يودعوه بهذه السرعة وبأبشع صور القسوة المفرطة؛ فقد كان حجم الفاجعة أكبر بكثير من قدرة القلوب الغضة على الاحتمال.

​إن المطالبة بالعدالة لمحمد عيضة ليست شأنًا عائليًا خاصًا، بل هي قضية رأي عام، وحق أصيل لكل صحفي يمتشق قلمه وصوته ليؤدي رسالته في كشف الحقيقة.. إنها اختبار حقيقي لما تبقى من هيبة القانون والكرامة الإنسانية، فحمایة الإنسان وصيانة حرية الكلمة هما الحجر الأساس لأي مجتمع ينشد البقاء والحياة.

​رحم الله الزميل محمد عيضة، وأمطر على قلوب والديه، وأبنائه، وأسرته، وزملائه شآبيب الصبر والسلوان، وجعل من دمه الطاهر منارةً للعدالة التي تُنصف المظلومين، وتُعيد الطمأنينة لقلوبٍ أنهكها الفقد، وخذلها الصمت، وغياب الضمير.

إغلاق