اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

ظلال الحبر الراحل

ظلال الحبر الراحل

بقلم | عبدالله سعد الدقيل
الثلاثاء 30 يونيو 2026

عندما يغيب القلم
منذ فجر التاريخ، كان القلم لسان العقل والترجمان الوفي لنبض القلوب، به كُتبت الحضارات، وحُفظت الحِكم، وسُطرت ملاحم الإنسان عبر العصور. لكننا اليوم، ونحن نقف على أعتاب زمن متسارع يموج بالتقنية والآلات، نلتفت إلى ذلك الرفيق القديم فنرى هيبته تتوارى، ونور مداده يبهت، حتى يكاد القلم يخفى بين زحام الشاشات الباردة وصخب الحياة المادية المتسارعة. هذا التلاشي التدريجي ليس مجرد غياب لأداة من خشب أو معدن، بل هو انزواء لامتداد حقيقي لروح كاتبه، حيث كان القلم يرتعش برعشة يده، ويقوى بثبات عزيمته، ويحمل بين ثنايا حبره هويته الإنسانية الفريدة.
ومع تحول الكتابة من المحبرة والورق إلى لوحات المفاتيح الصماء، فقدت الكلمات الكثير من دفئها الحسي، وانزوى الخط العربي الأصيل الذي كان يعكس ملامح الشخصية وجماليات النفس الببشرية. ولم يكن هذا الغياب ناتجاً عن التطور الرقمي فحسب، بل إن القلم يكاد يخفى أحياناً عجزاً أمام هول الواقع وفيض المشاعر؛ فحين تتجاوز الأحداث والآلام والآمال قدرة الحروف على الاحتمال، يقف القلم عاجزاً كأنما يذوب حبره خجلاً، معلناً أن ما يعتمل في الصدور وفي الواقع أوسع من أن تحويه السطور أو تضبطه القواميس.
هذا الصمت المقلق للقلم يتجاوز البُعد الوجداني ليلامس واقعنا الفكري والاجتماعي، حيث تراجع زمن الكلمة الرصينة والفكرة المتأنية لصالح محتويات عابرة تبحث عن سرعة الانتشار لا عمق الأثر. وخفوت هذا الصوت يعني تراجع دور أهل العلم والمصلحين وصناع الوعي الذين يبنون الإنسان ويرتقون بالأخلاق، مما يضعنا أمام مسؤولية كبرى لإعادة الاعتبار للقراءة والكتابة الواعية، وتنشئة الأجيال على أن الكلمة أمانة ومسؤولية، مع ضرورة تطويع التقنية الحديثة لخدمة الفكر الأصيل ليظل القلم حاضراً بروحه وعمقه حتى وإن كُتبت حروفه على شاشات رقمية.
إن الحفاظ على مكانة القلم هو انتصار للمبادئ والقيم التي ترفع من شأن المعرفة الإنسانية، فهو الرمز الأسمى الذي أقسم الله به في كتابه الكريم حين قال: ﴿نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. وإن كاد يخفى جسداً أو عياناً في عواصف العصر، فإن واجبنا يقتضي أن نظل حراساً لمداده، وأوفياء لرسالته، ليظل ضوؤه متقداً ونبضه حياً في ضمير الأمة، ينير دروب الحاضر ويشق طريق المستقبل.

إغلاق