حين خرجت الإمارات… وبقيت كل التهم!
بقلم / صالح برك الجابري
الخميس 18 يونيو 2026
لسنوات طويلة، لم تُترك تهمة إلا وأُلصقت بالإمارات في الجنوب. كانت المتهم الأول والأخير في كل شيء؛ فهي – وفق الرواية التي سادت آنذاك – من جمّد ميناء عدن وعطّل دوره الاقتصادي، وهي من أوقفت منشأة بلحاف وحوّلتها إلى ثكنة عسكرية تخدم مصالحها، وهي من احتلت سقطرى ونهبت نباتاتها، ووزعت الجنسيات على سكانها تمهيداً لطمس هويتهم اليمنية. وهي كذلك من عطّلت الكهرباء والخدمات والرواتب والبنية التحتية، ولم تهتم إلا بتسليح مليشيات تدين لها بالولاء، بل واتُّهمت بإنشاء السجون السرية في الضبة ومطار الريان.
حسناً… لنفترض، جدلاً، أن كل هذه الاتهامات صحيحة مئة بالمئة.
خرجت الإمارات. وانتهى وجودها العسكري المباشر. وكان المنطق يقتضي أن تغادر معها أسباب تلك الأزمات، وأن يتقدم الذين كانوا يملؤون الدنيا صراخاً بهذه الاتهامات لإصلاح ما أفسدته، وأن يتحولوا من معارضة غاضبة إلى رجال دولة يحملون الحلول.
لكن ماذا حدث؟
هل عاد ميناء عدن ليتحول إلى رافعة للاقتصاد الوطني كما وُعد الناس؟
هل عادت مصفاة عدن إلى العمل وانتهت أزمة المشتقات النفطية؟
هل استقرت الكهرباء في عدن والجنوب وأصبح المواطن ينام دون أن يحسب ساعات التشغيل والانطفاء؟
هل أعيد تشغيل منشأة بلحاف لتعود مورداً رئيسياً لخزينة الدولة؟
هل أصبحت سقطرى نموذجاً للتنمية والازدهار بعد أن “تحررت” من الهيمنة الإماراتية المزعومة؟
وهل كشفت السلطات الجديدة ملف السجون السرية وقدمت للشعب الأدلة والأسماء والصور والوثائق التي تثبت تلك الجرائم؟
للأسف، لا شيء من ذلك حدث.
الأزمات بقيت كما هي، بل إن بعضها ازداد سوءاً. والتهم التي كانت تُرفع كالسيوف اختفت فجأة، وكأنها لم تكن حقائق راسخة، بل مجرد شعارات موسمية تُستدعى عند الحاجة إلى التحريض والتعبئة السياسية.
لقد وضع الزمن الجميع أمام اختبار بسيط: إن كنتم صادقين في تشخيص المشكلة، فأين الحل بعد أن زال سببها؟ وإن كنتم عاجزين عن الإصلاح بعد زوال ذلك السبب، فربما لم يكن التشخيص صحيحاً من الأساس.
المؤسف أن المواطن اكتشف متأخراً أن كثيراً من تلك المعارك لم تكن معارك من أجل ميناء أو كهرباء أو غاز أو سيادة وطنية، بل كانت في جانب منها معارك للوصول إلى السلطة. وما إن وصل أصحابها حتى تعاملوا مع معاناة الناس بوصفها مجرد درجات على سلم الصعود، لا قضايا تستحق الحل.
لقد استبدلنا، للأسف، خيل اصيل قيل لنا إنه سبب كل البلاء، لنكتشف أننا لم نمتطِ حصاناً آخر، بل استبدلنا خيلنا بحمار لا يصلح لحمل الأثقال ولا لخدمة الناس؛ بغل لا يجيد إلا الرعي في مروج السلطة والارتزاق من معاناة المواطنين، بينما تُدفع كلفة ذلك من كرامة الإنسان اليمني وحقوقه ومستقبل أبنائه.
والنتيجة أن المواطن ما زال ينتظر الكهرباء نفسها، والرواتب نفسها، والخدمات نفسها، والأزمات نفسها… أما الشيء الوحيد الذي تغيّر حقاً فهو أسماء المتهمين والمتصدرين للمشهد، بينما بقيت المعاناة ثابتة في مكانها، وكأن الوطن كله يدور في حلقة مفرغة لا يتغير فيها سوى من يجلس على الكرسي.






