التخبط الوعظي بين مبنى الشرع وفطرة الدفع
بقلم | حسن الكاف
تعد الدعوة إلى ضبط النفس والتروي في مواجهة الإساءة دعوة أخلاقية ضرورية لحفظ السلم المجتمعي وبناء علاقات إنسانية راشدة، إلا أن تقديم هذه القيم بشكل مجرد ومطلق دون ضوابط واقعية لا يخدم المجتمع، بل يؤدي إلى تجريد النفس البشرية من طباعها الحميدة وفطرتها السوية، كالانتصار للمظلوم والوقوف في وجه الطغيان.
إن الإغراق في توجيه الفضائل الإنسانية خارج سياق التوازن يؤدي حتماً إلى نتائج عكسية تماماً؛ فكما ينحرف الكرم حين يتجاوز حده فيصير إسرافاً وتبذيراً، ينحرف كظم الغيظ والحلم والمبالغة فيهما ليتحولا إلى تبلد في المشاعر وموت للغيرة والكرامة الإنسانية.
وهذا الإفراط والمبالغة في فهم القيم كالرضا بالقضاء والقدر، وكظم الغيظ، والحلم، هو عين ما نبه إليه وأشار إليه بدقة العلامة ابن عبيد الله السقاف في كتابه (بلابل التغريد)، مبيناً أن الغلو في هذه الفضائل وتجريدها من سياقها الصحيح يعود على النفس والمجتمع بالضرر والانتكاس.
وتتجلى إشكالية هذا التخبط الوعظي المعاصر في المقارنة التي عقدها الدكتور عمر باغوث في كلمته المتداولة على مواقع التواصل، حين أسقط القانون الفيزيائي (لكل فعل رد فعل) على السلوك البشري ليصف المنتصر لنفسه بـ (الإنسان المادة) الذي يقع ضحية لثائرة الطبع.
ويكمن الخلل هنا في إغفال الخطاب التام لمبدأ العدالة والقصاص الذي كفلته الشرائع والقوانين كحق أصيل وردع مشروع لحفظ التوازن؛ فحين يصوّر الدكتور باغوث رد الإساءة بمثلها كسلوك مادي بحت يهبط بالإنسان إلى مرتبة الجماد، فإنه يخلط خطأً بين (مرتبة الفضل والإحسان) التي تندب عند المقدرة، وبين (الردع) الذي يحمي الأفراد من الاستضعاف. هذا الطرح يميل إلى تبسيط الدوافع البشرية واختزالها في مجرد الاندفاع الغريزي الطائش، متجاهلاً أن ردود الأفعال والانتصار للنفس كثيراً ما تكون استجابة واعية وضرورية لرفض الظلم، ودفاعاً مشروعاً عن الكرامة، وليست مجرد همجية أو غياب للأدب والديانة.
إن الآثار الاجتماعية والنفسية الناتجة عن هذا الإسراف في المثالية تتجاوز مجرد التنظير السلوكي لتضرب عمق عزة المجتمع وشرفه. فعندما يربط الامتثال للأخلاق بالانكفاء والاستسلام حتى في مواجهة التعدي المباشر، يتحول العفو من موقف قوة ومقدرة إلى مظهر من مظاهر الضعف والمهانة، مما يخمد في الأفراد غريزة الحمية والذود عن الحقوق. هذا التوجيه الأخلاقي المشوه ينتج مجتمعاً مستكيناً يتسم بالسذاجة والانبطاح، ويسهل استضعافه واضطهاده من قِبل البغاة والمعتدين، حيث يصبح التسامح غير المدروس وسيلة لتشجيع الظالم على الاستمرار في غيه بدلاً من كفه وردعه. وفي نهاية المطاف، يصطدم هذا الوعظ الحالم بالطبائع الإنسانية، ليدفع الأفراد إما إلى العيش بعقدة ذنب مستمرة لمجرد رغبتهم الفطرية في دفع الأذى، أو إلى التمرد الكامل والتحول نحو العنف المفرط نتيجة الكبت الطويل.






