حضرموت بين ثراء الأرض وفقر القيادة
بقلم / أ. صالح علي بن صديق
الاحد 16 مايو 2026
في حضرموت، الأرض التي أنعم الله عليها بالخيرات والثروات، لم يعد المواطن يسأل عن الرفاهية أو تحسين مستوى الحياة، بل أصبح يبحث عن أبسط مقومات العيش الكريم. فالمشهد اليومي هناك بات مثقلاً بالمعاناة؛ غلاء ينهش جيوب الناس، ومشتقات نفطية تُباع بأسعار ترهق الفقير قبل الغني، وخدمات تتهاوى يوماً بعد يوم، وكهرباء تغيب لساعات طويلة وكأنها تزور الناس على استحياء، كل ذلك في محافظة تُعد من أغنى مناطق البلاد بالثروات الطبيعية.
حضرموت التي كانت قادرة أن تكون نموذجاً للاستقرار والتنمية، تحولت بفعل غياب القيادة الحقيقية إلى ساحة للفوضى والإهمال. المواطن الحضرمي لم يعد يشعر أن هناك من يحمل همّه أو يدافع عن حقوقه، بل بات يواجه أزماته وحيداً، بينما تتسابق الأطراف المختلفة على المصالح والمكاسب تاركة الناس تحت وطأة الحاجة والعجز.
وما يزيد الألم أن هذه المعاناة لا تحدث في أرض فقيرة أو معدومة الموارد، بل في أرض النفط والثروات السمكية والمساحات الزراعية والموانئ الحيوية. لكن الثروة وحدها لا تصنع وطناً مزدهراً إذا غابت القيادة الصادقة والرؤية الحكيمة. فالأوطان لا تُبنى بالخيرات فقط، بل تُبنى برجال يحملون المسؤولية بضمير، ويجعلون مصلحة المواطن فوق كل اعتبار.
اليوم يعيش الكثير من أبناء حضرموت حالة من الإحباط، بعدما أصبح تأمين لقمة العيش أمراً شاقاً، وأصبح انقطاع الكهرباء في حر الصيف القاسي معاناة يومية، بينما تقف الجهات المسؤولة عاجزة أو منشغلة بالتصريحات التي لا تُطفئ ظمأ الناس ولا تُنير بيوتهم. حتى المشتقات النفطية، التي يفترض أن تكون متوفرة في أرض تنتج النفط، أصبحت أزمة متكررة تستنزف المواطن وتشل الحركة والحياة.
إن حضرموت لا ينقصها المال ولا الإمكانيات، بل ينقصها القائد الذي يشعر بوجع الناس، القائد الذي يرى في المسؤولية تكليفاً لا تشريفاً، ويؤمن أن خدمة المواطن أولوية لا شعاراً إعلامياً. فالشعوب قد تصبر على قلة الموارد، لكنها لا تستطيع الصبر طويلاً على غياب العدالة وغياب من يقودها بإخلاص.
ويبقى السؤال المؤلم: كيف لمحافظة بهذا الحجم من الثروات أن يعيش أبناؤها كل هذا الحرمان؟ وكيف لأرضٍ تُنير غيرها بالنفط أن تغرق مدنها في الظلام؟
إن ما تعيشه حضرموت اليوم ليس أزمة موارد، بل أزمة قيادة، وأزمة ضمير غائب، حتى أصبح المواطن يرى ثروات أرضه تُستنزف أمام عينيه، بينما يزداد هو فقراً ومعاناة يوماً بعد يوم.






