المنصب في العرف الحضرمي واليمني.. قراءة أولية في المقام والدور
بقلم / أحمد عبدالقادر بن الشيخ أبوبكر
الخميس 30 ابريل 2026
لعلّي لا أحيط إحاطةً كاملة بكنه المنصب وماهيته، ولا بجميع ما ينطوي عليه من أبعاد تاريخية وروحية واجتماعية، غير أنني أحاول في هذه الأسطر تقديم قراءة أولية مختصرة، تقرّب المعنى وتفتح باب الفهم، دون الخوض في جميع تفاصيله وتشعباته.
فالمنصب في العرف الحضرمي واليمني هو الشخص الذي يقوم مقام أسرته، ويتولى شؤونها العامة، ويكون مرجعها المعتمد وصاحب الكلمة المعتبرة في قضاياها الداخلية والخارجية، كما يمثلها أمام المجتمع وسائر الجهات.
ويرتبط المنصب غالبًا بمنطقة تُعرف بـ”الحوطة” والحوط منتشرة في محافظات عدة داخل الرقعة اليمينة، وهي موضع له حرمة وحدود معلومة، يخضع لنظام خاص يُعرف بـ”قانون المنصبة”، ويُعد مرجعًا للأسرة ومن يرتبط بها حيثما كانوا، كما يمثل أحد المراجع الاجتماعية في محيطه العام.
ولا يقتصر دوره على المكانة الرمزية، بل يمتد إلى مسؤوليات عملية، من أبرزها الإشراف على نظّار الأوقاف، وما يتصل بها من أموال وممتلكات موقوفة لخدمة الأسرة والمجتمع، وتصرف وفق الشروط المقررة والوثائق الموروثة والأعراف المستقرة.
ويتولى المنصب مهامه بعد أخذ العهود والمواثيق، ملتزمًا بالسير على ما جرى عليه العرف من أنظمة وتقاليد متوارثة كل منصبة قبيلة ومنطقة حسب عرفها.
وتشمل مسؤولياته جوانب متعددة، في مقدمتها الجانب الاجتماعي؛ كخدمة طلاب العلم، ومساعدة المحتاجين، والإصلاح بين الناس، وتقوية الروابط الأسرية، وحفظ وحدة الصف وتماسك المجتمع.
كما تمثل المنصبة – وبخاصة لدى السادة – مرجعية دينية وروحية ذات اعتبار، لما تضطلع به من دور في حفظ القيم، وصيانة الأعراف، وإحياء روح التكافل، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.
ولم يكن المنصب مجرد لقب أو منزلة شرفية، بل مسؤولية قائمة على الرعاية والخدمة والالتزام.
وعلى المستوى القبلي والاجتماعي العام، كان المنصب صاحب مكانة رفيعة ونفوذ معتبر، تُسمع كلمته في الأوساط المختلفة، ويرجع إليه في النزاعات والقضايا العامة، وقد استعانت به الدول والسلاطين في مراحل متعددة للمشورة والإصلاح وتوثيق الصلات.
كما حظي باحترام أهل العلم وأصحاب السلطة، وكان لرأيه أثر في شؤون الأمن والخدمات العامة وبعض القضايا الإدارية، لما يمثله من ثقل اجتماعي ورمزية تاريخية.
وعند الأزمات والأخطار، تتحرك بإشارته الجموع والرجال، لما لأسرته من تحالفات وروابط ممتدة، فيسهم في جمع الكلمة، وإخماد الفتن، ونصرة المظلوم، وحفظ الأمن الاجتماعي.
ويتولى كذلك خدمة العادات العامة داخل رقعة نفوذه، والإشراف على الزيارات والمناسبات الدينية والاجتماعية خاصة المرتبطة به، وتنظيم شؤونها بما يضمن استمرار تقاليدها المتوارثة.
وفي الوسط الحضرمي يُعد المنصب من أبرز المراجع الاجتماعية، وإذا كان من السادة آل باعلوي كان من وجوههم البارزين، مع وجود تفاوت بين المنصب العام، ومنصب الفخذ، ومنصب الطائلة، بحسب النطاق الجغرافي والمسؤولية المرسومة.
أما الحوطة التي يقيم فيها، فهي مقصد للناس؛ يفد إليها طلاب العلم، وطالبو الإصلاح، وأصحاب الحاجات، ومن يلتمسون العون أو المأوى.
وقد خُصصت أوقاف ومشاريع تُصرف في وجوه الخير والنفع العام.
وكان لتدخلاته في عمارة البلاد وصون مصالح العباد أثر واضح، خاصة في أوقات الأزمات، بما يعكس روح المسؤولية المجتمعية المرتبطة بهذا المقام.
وخلاصة القول، فإن المنصب في اليمن، ولا سيما في حضرموت، ليس مجرد اسم اجتماعي متوارث، بل مؤسسة عرفية ذات أبعاد دينية واجتماعية وإدارية، أسهمت في حفظ التوازن المجتمعي، ورعاية المصالح العامة، وصيانة روابط الناس عبر أزمنة طويلة.
وما ذُكر هنا إلا لمحة موجزة وقراءة أولية، على أمل تناول ما آلت إليه المنصبة في الزمن الراهن، وأسباب ضعفها، ومواطن قوتها، وما تحتاج إليه من إصلاح وتجديد، بما يعيد لها دورها الحقيقي، ويجعلها أكثر قدرة على خدمة الزمان والمكان.






