الاختراق الخوارزمي للفضاء الأسري
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : مهيب الغرازي
27 ابريل 2026
لم تدخل خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي بيوتنا من الأبواب، ولم تستأذن أحدا قبل أن تعبر .. دخلت من الشاشات الصغيرة، من ذلك الضوء الخافت الذي نحمله في جيوبنا، ثم تموضعت بهدوء بين أفراد الأسرة ، الزوج وزوجته، بين الأب وابنه، بين الإنسان وعقله…
لم تعد هذه المنصات تفتح لنا باب المعرفة، بل نافذة الرغبة. لا تمنحك ما ينفعك، بل ما يوافق هواك. تقترب من جرحك وتداعبه، تنفخ في غضبك، تستثمر في نقاط ضعفك، وتستغل هشاشتك النفسية، ثم تقدم لك الوهم في هيئة نصيحة، حتى تبدو أنانيتك حكمة، وتمردك وعيا، وخراب بيتك انتصارا لذاتك…
يقول المثل القديم: “كل إناء بما فيه ينضح”. أما اليوم فقد صار الهاتف هو الإناء الجديد، ينضح على عقل صاحبه وقلبه وروحه. إن كان فيه وعي زاده بصيرة، وإن كان فيه فراغ ملأه ضجيجا من الوهم، وإن كان فيه غضب فتح له ألف باب من التبرير والغرور لذاته…
وما يحدث ليس عبثا، ولا صدفة تقنية عابرة، بل نظام كامل بُني على تحويل الإنسان من كائن يفكر إلى مستخدم يتفاعل. وراءه اقتصاد ضخم، وشركات إعلان، وصناع محتوى، يعرفون كيف يحولون الانتباه إلى مال، والجرح النفسي إلى مشاهدة، والغضب إلى أرباح…
إنها هندسة كاملة لانتباه الإنسان.. خوارزميات تفهم ضعف الإنسان أكثر مما يفهم الإنسان نفسه، تعرف متى يغضب، ومتى يحن، ومتى يخاف، ومتى يحتاج أن يسمع أنه على حق. لا تهمها أن تهدأ، ولا أن تصلح بيتك، ولا أن تفهم نفسك. المهم أن تبقى، أن تنفعل، أن تضغط، أن تعود. وهنا يصبح الهاتف مرآة لضعف الإنسان، لا نافذة لحريته…
لذلك لا تنتصر الخوارزمية للحقيقة، بل لأي شيء قادر على اختطاف الانتباه. فالحقيقة غالبا هادئة، بطيئة، تحتاج إلى صبر وتواضع ومراجعة للنفس. أما الوهم فخفيف وسريع وممتع، يمنحك لذة فورية، ويكرر عليك الرسالة ذاتها:
أنت مظلوم دائما، أنت على صواب دائما، والمشكلة في الآخرين دائما…
وهنا يبدأ الخراب، يتحول الإنسان من صاحب عقل إلى تابع لمزاجه، ومن باحث عن الحق إلى باحث عما يوافق غضبه ومزاجه. يصبح الهاتف قاضيا، والمقطع القصير فتوى، وصانع المحتوى مستشارا أسريا، والجاهل محللا نفسيا، والمهرج مربيا، ومن لا يعرفك ولا يعرف ثقافتك ودينك والبيئة المحيطة بك ولا تاريخك يصبح فجأة دليلك في أخطر قرارات حياتك.
قال جورج أورويل: “في زمن الخداع تصبح الحقيقة عملا ثوريا”. ونحن اليوم نعيش زمنا لا تُحارب فيه الحقيقة من خلال السجون والقمع فقط، بل بالفيديو القصير ، والمقطع اللامع، والنصيحة المبتورة، والجاهل الذي يتحدث بثقة العالم، يهدم بيتا بكلمتين، ثم يمضي ليصور مقطعا آخر…
وخلف هذا كله يقف نظام اقتصادي كامل قائم على الإثارة لا على الإصلاح. كلما زاد خوفك زادت مشاهدتك، وكلما زاد غضبك زاد بقاؤك، وكلما شعرت أنك ضحية عدت تبحث عن مقطع جديد يؤكد لك أنك على حق. وهكذا تصنع المنصات سجنا ناعما، لا جدران له ولا حراس، لكنك لا تغادره لأنك تظن أنه الوحيد من يفهمك…
قال ابن خلدون: “الظلم مؤذن بخراب العمران”. وأي ظلم أكبر من أن يتحول الجهل إلى صناعة، والسطحية إلى رأي، والأنانية إلى “قوة شخصية”، وتفكيك الأسرة إلى “استقلال”، وقطع الرحم إلى “حدود صحية”، والتمرد على المسؤولية إلى “حب الذات”؟
لقد أعطت المنصات الجهل مكبر صوت. كانت الحماقة قديما محصورة في مجلس صغير، أما اليوم فقد صارت تبث من غرفة نوم، وتصل إلى آلاف البيوت، وتلبس ثوب النصيحة، وتجلس مكان الأب، ومكان الأم، ومكان العالم، ومكان تجارب الحياة…
وليست الكارثة في أن الناس يشاهدون، بل في أنهم يصدقون بسرعة. فالإنسان المتعب يبحث عن جواب يريحه لا عن حقيقة تؤلمه، والمجروح يريد من يقول له: لست مخطئا أبدا، والفارغ يريد معنى سريعا. والخوارزمية تعرف ذلك، فتقدم له ما يناسب جرحه، لا ما يعالج روحه..
يقال: “من جهل شيئا عاداه”. ونحن اليوم أمام جيل لا يجهل الخوارزميات فحسب، بل يجهل أنه واقع تحت أثارتها الموجهة نحوه.. يستيقظ على اقتراحاتها، وينام على مقاطعها، ويقيس قيمته بعدد المشاهدات، ويقيس علاقته بأهله بعبارات كتبها شخص لا يعرفه، ولا يعرف دينه، ولا ثقافته، ولا بيئته..
الأثر القادم على المجتمع أخطر مما نظن. سنرى بيوتا أكثر هشاشة، وأبناء أقل صبرا، وزواجا أقل احتمالا، وعلاقات أكثر برودة، ونسبة طلاق كبيرة وأجيالا لا تعرف كيف تحاور لأنها تعودت أن تمرر الشاشة إذا ضاق صدرها. سنرى الإنسان يهرب من كل مسؤولية باسم الحرية والكرامة ، ومن كل التزام باسم الصحة النفسية، ومن كل نقد باسم احترام الذات.
وحين تضعف الأسرة، يضعف المجتمع كله. فالأسرة هي المدرسة الأولى للمجتمع من الصبر، والتضحية، والرجولة، والحياء، والمروءة. فإذا استبدلنا هذه المدرسة بخوارزمية تربي على الغضب والغرور والقطيعة، فلا نستغرب أن يخرج جيل يعرف كيف يعلق، ولا يعرف كيف يحترم، يعرف كيف يطالب، ولا يعرف كيف يعطي، يعرف كيف يشتكي، ولا يعرف كيف يصبر..
ليست المشكلة في التقنية وحدها، بل في الإنسان حين يسلم عقله لها بكل ارادته… فالسيف في يد العاقل حماية، وفي يد الجاهل جريمة. والهاتف في يد الواعي نافذة، وفي يد الجاهل الفارغ مقبرة بطيئة للوعي والبيوت والسكينة..
الخوارزمية لا تقول لك: راجع نفسك…
تقول لك: أنت لا تخطئ أبدا يا صديقي…
لا تقول لك: اصبر وافهم وتعلم..
تقول لك: اقطع، اترك، انتقم، تجاهل، وأعتبر كل من يخالفك بأنه إنسان سام..
وهكذا تهدم البيوت أحيانا بمقطع مدته ثلاثون ثانية، ونصيحة جاهلة، وخوارزمية تعرف كيف تفتح الجراح، لكنها لا تعرف كيف تضمدها…
أخطر ما تصنعه هذه الخوارزميات أنها لا تسلب وقتنا فقط، بل تعيد تشكيل معنى الصواب والخطأ في انفسنا وفي بيوتنا وكل من حولنا.. تجعل الإنسان يظن أن ما يريحه هو ما يوافق مزاجه ..
وهذا هو الزمان الأخطر في تاريخ البشرية :
حين يصبح المزاج بديلا عن العقل، والانفعال بديلا عن الأخلاق، وكثر الاعجابات والمشاهدة والشهرة بديلا عن الحقيقة..
*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*






