نقد استدعاء الماضي وبناء الحاضر: نحو وعي تاريخي رشيد يخدم حضرموت ويؤسس لمستقبل مستدام
تاربة ــ اليوم /كتابات واراء
البروفيسور عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية والتاريخ
23 إبريل 2026م
يُعد استدعاء الماضي أحد أبرز ملامح الوعي الجمعي في المجتمعات التي تمرُّ بمراحل انتقالية أو أزمات مركبة، غير أن هذا الاستدعاء قد يتحول — في حال سوء توظيفه — إلى عبءٍ معرفي يعيق الحاضر بدل أن يضيئه. فحين يستحضر الماضي بوصفه أداة للتبرير لا للتحليل، يغدو عائقًا أمام أي محاولة جادة للإصلاح والبناء.
إن الانشغال المفرط بمفاسد الماضي والتغني بإخفاقاته، مع إغفال تحديات الحاضر واستحقاقات المستقبل، يمثل في جوهره نمطًا من أنماط الهروب من الواقع والتنصل من مسؤولياته. فبدل أن تكون الذاكرة التاريخية منطلقًا للنقد البنَّاء، تتحول إلى ملاذ نفسي يستخدم للتغطية على الإخفاق الراهن.
ويزداد هذا الخلل وضوحًا حين يعاد إنتاج خطاب الماضي بصورة انتقائية، تستدعى فيه الأخطاء دون السياقات، وتضخم فيه الإخفاقات دون تحليل أسبابها البنيوية، مما يؤدي إلى تكريس رؤية مشوهة للتاريخ، تغذي الانقسام بدل أن تسهم في بناء الوعي.
لقد عرفت التجربة السياسية اليمنية — شمالًا وجنوبًا — هذا النمط من الخطاب، حيث درجت السلطات المتعاقبة، ومعها معظم الأحزاب والنخب، على استحضار إخفاقات من سبقها، ليس بقصد التقويم والإصلاح، بل بهدف تبرير تعثرها هي، وصرف الأنظار عن قصورها في إدارة الحاضر.
وهكذا تتكرر حلقة مفرغة: سلطة تلعن سابقتها، وتحملها مسؤولية كل الإخفاقات، ثم لا تلبث أن تتحول هي ذاتها إلى موضوع للوم من اللاحقين. وهي دورة خطابية مغلقة تفضي إلى إعاقة التراكم المؤسسي، وتبدد فرص التنمية السياسية المستدامة.
ويجد هذا السلوك ما يشبهه في التصوير القرآني البليغ لحالة التنازع والتلاعن بين الجماعات، كما في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: 38]، حيث يبرز النص القرآني نمطًا من التفاعل السلبي القائم على التلاوم بدل التكامل.
كما يؤكد القرآن الكريم في موضع آخر مبدأ المسؤولية الفردية والجماعية، بعيدًا عن التعلق بأخطاء الآخرين، في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: 134]، وهو توجيه صريح نحو تحمل المسؤولية وعدم الارتهان للماضي.
وفي السنة النبوية الشريفة، نجد تأكيدًا على مركزية الفعل في الحاضر، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: {احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز} (رواه مسلم)، وهو توجيه عملي نحو التركيز على ما يثمر، بدل الانشغال بما لا طائل منه.
ومن هنا، فإن التعلق بالماضي بوصفه ساحة للصراع أو مادة للتلاوم، لا ينتج وعيًا ولا يسهم في بناء، بل يكرس حالة من الجمود الذهني والسياسي، ويعيد إنتاج الإخفاق في صور مختلفة، دون القدرة على تجاوزه.
إن العبارة الجامعة في هذا السياق هي: إن التاريخ يؤخذ منه للعِبرة لا للعَبرة؛ أي أنه مصدر للتعلم لا للبكاء أو التباكي. فالماضي — مهما كان ثقيلًا — قد انتهى، ولا يمكن تغييره، بينما الحاضر هو مجال الفعل، والمستقبل هو أفق الإمكان.
وفي السياق الحضرمي تحديدًا، تبرز الحاجة المُلحَّة إلى تجاوز هذا النمط من الخطاب، والتركيز على ما يخدم حضرموت وأهلها، بعيدًا عن الاستغراق في جدالات الماضي أو صراعاته، التي لا تنتج حلولًا بقدر ما تعيد تدوير الأزمات.
فبلاد حضرموت، بما تمتلكه من إرث حضاري وثقافي عريق، وبما تزخر به من طاقات بشرية وعلمية، بحاجة إلى خطاب جديد، يقوم على البناء لا الهدم، وعلى استثمار الإمكانات لا استهلاك التاريخ، وعلى توحيد الجهود لا تشتيتها.
إن الانتقال من خطاب التبرير إلى خطاب الإنجاز، ومن عقلية اللوم إلى ثقافة المساءلة، يعد شرطًا أساسيًا لأي نهضة حقيقية. وهو انتقال يتطلب وعيًا نقديًا، وإرادة سياسية، ونخبًا قادرة على قيادة هذا التحول بصدق ومسؤولية.
وبناءً على ما سبق بيانه يمكننا القول، إن الذي انتهى قد انتهى، ولا سبيل إلى تغييره، أما الذي بين أيدينا فهو الحاضر، وهو ميدان المسؤولية والعمل. ومن هنا، فإن التركيز على ما ينفع حضرموت وأهلها، واستثمار دروس الماضي في بناء المستقبل، هو الطريق الوحيد نحو نهضة حقيقية، تنهي حالة الدوران في الحلقة المفرغة، وتؤسس لمرحلة جديدة من الوعي والبناء والاستقرار.
ربي زدني علمًا، وارزقني فهمًا، والحقني بالصالحين.






