التخصص البحثي وفكّ الاشتباك بين “الذاكرة” و”الاستشراف”
تاربة_اليوم/ كتابات وآراء
الكاتب / منصور باوادي
20 ابريل2026م
في فضاء البحث المعرفي الرحب، يظلّ التخصص هو الضمانة الوحيدة والبوصلة الأكثر أمانا لجودة المخرج العلمي من التشتّت والارتجال، ومع اتساع أدوار المراكز البحثية في تشكيل الوعي العام والإسهام في صناعة القرار، برز التباس لدى البعض بين مهمتين متجاورتين في الظاهر، متباعدتين في الجوهر: بين مراكز التوثيق التاريخي (حفظ الذاكرة)، ومراكز الدراسات الاستراتيجية (استشراف المستقبل)، وبينهما خيط دقيق، لا يُرى إلا بعين المنهج.
أولًا: مراكز التوثيق والتاريخ… حُرّاس الذاكرة
تنهض مراكز الأبحاث التاريخية والتوثيقية ومركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر أحدها، بدورٍ يكاد يلامس القداسة؛ إذ تتكفل بحفظ الهوية من التبدد، ولمّ شتات المعرفة من بطون الوثائق والمخطوطات والروايات الشفاهية.
أداتها: التحقيق الصارم، والتدقيق المنهجي، والمقارنة بين المصادر.
غايتها: استجلاء الحقيقة التاريخية كما هي، وتقديم قراءة علمية للماضي منزهة عن العاطفة وخالية من التزييف والانفعال.
ومخرجها: مادة مرجعية راسخة، تُبنى عليها ذاكرة المجتمع، ويستند إليها وعيه السياسي والثقافي.
ثانيًا: مراكز الدراسات الاستراتيجية… مهندسو المستقل
وعلى الضفة الأخرى، تقف مراكز الدراسات الاستراتيجية بعقل مشدود إلى الأمام، لا تلتفت إلى الخلف إلا بقدر ما يُعينها على قراءة الطريق، هي مراكز “تحليلية تنبؤية” بالدرجة الأولى، تُجيد قراءة الممكن قبل وقوعه.
أداتها: تحليل النظم، وبناء السيناريوهات، وقياس التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
هدفها: صياغة رؤى مستقبلية، ورسم خرائط طريق لصناع القرار، واستباق الأزمات قبل وقوعها.
ثالثًا: التكامل لا التداخل… بين الباحث وصانع القرار
إن مطالبة المؤرخ والباحث بأن يكون مستشارا استراتيجيا، أو تحميل الباحث التاريخي عبء التنبؤ السياسي، ليست إلا مغالطة منهجية، فالباحث التاريخي يقدم “المادة الخام”: الوقائع، والدروس، وسنن التحول، بينما يتولى المحلل الاستراتيجي أو السياسي تحويل هذه المادة إلى رؤى وخيارات.
القاعدة تقول: السياسي الذي لا يقرأ التاريخ كمن يسير في العتمة، لكن المؤرخ الذي يغادر أدواته إلى ميدان التنبؤ السياسي دون عُدَّته “أدوات استراتيجية”، قد يقع أسير إسقاطات تاريخية مضلِّلة.
رابعًا: مركز حضرموت.. نموذجا للتخصص
يبرز مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر كنموذج للمؤسسة التي عرفت حدود تخصصها فأتقنته وأبدعت فيه، فحصر نشاطه في التوثيق والنشر التاريخي ليس قصورا أو عجزا، بل هو عين الحكمة العلمية، فحضرموت بإرثها الضخم وتاريخها الممتد، تتطلب جهودا جبارة لإعادة ترتيب ذاكرتها وتوثيق تراثها.
إن مطالبتنا لهذا المركز ولصنوه من المراكز، بالخوض في غمار الدراسات الاستراتيجية المستقبلية هو تبديد لطاقاته وتعدٍ على تخصصات الآخرين، فمجال إبداعه يكمن في إحياء المخطوط، وتحقيق الوثيقة، ونشر الوعي بالتاريخ الحضرمي، وإحياء التراث، وهي مهمة وطنية ومعرفية لا تقل أهمية عن وضع الاستراتيجيات السياسية، إن المجتمعات التي لا توثق ماضيها بدقة، تُغامر بمستقبلها من حيث لا تدري.
خلاصة القول
إن نهضة الأمم لا تقوم على تداخل الأدوار، بل على حسن توزيعها، فللمؤرخ فضاء الذاكرة والتحليل التاريخي، وللاستراتيجي أفق الاستشراف والتخطيط، وبينهما تكامل خفي: فالمستقبل لا يُبنى من فراغ، بل يقف دائما على أكتاف ماضٍ وثقه علماء أمناء، وحفظوه من الضياع.






