اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر: عقد من التأسيس المعرفي واستدامة الذاكرة الحضرمية

مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر: عقد من التأسيس المعرفي واستدامة الذاكرة الحضرمية

تاربة ــ اليوم / كتابات واراء

بقلم: الدكتور عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية والتاريخ

20 إبريل 2026م

يُعد مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر واحدًا من أبرز الصروح العلمية التي نهضت بمسؤولية حفظ الذاكرة الحضرمية، في سياق تاريخي وثقافي يتسم بالتعقيد والتراكم. ومنذ تأسيسه، شكل المركز نموذجًا مؤسسيًا رائدًا في مجال البحث التاريخي والتوثيق العلمي، مستندًا إلى رؤية واضحة تستهدف صون التراث الحضاري وتقديمه في قالب علمي رصين.
لقد جاء تأسيس المركز استجابة لحاجة معرفية ملحة، تمثلت في غياب المؤسسات المتخصصة القادرة على جمع المادة التاريخية الحضرمية وتبويبها وتحليلها وفق منهجيات علمية حديثة. ومن هنا، لم يكن المركز مجرد كيان إداري، بل مشروعًا حضاريًا متكاملًا يعيد الاعتبار للذاكرة الجمعية بوصفها عنصرًا حاسمًا في بناء الهوية.
وخلال عقد من الزمن، استطاع المركز أن يرسخ حضوره بوصفه مرجعية علمية موثوقة، من خلال إنتاج معرفي متنوع شمل الكتب والدراسات المحكمة والمشروعات التوثيقية النوعية، مما جعله أحد أهم روافد البحث العلمي في حضرموت، بل وفي اليمن عمومًا.
وتتجلى أهمية المركز في كونه يتعامل مع التاريخ لا بوصفه سردًا ماضويًا جامدًا، بل باعتباره حقلًا ديناميكيًا يتداخل مع الحاضر ويؤسس للمستقبل. وهذا الفهم العميق لوظيفة التاريخ هو ما منح المركز خصوصيته وتميزه في مقاربة القضايا الحضرمية.
لقد لعبت القيادة العلمية والإدارية دورًا محوريًا في نجاح هذا المشروع، وفي مقدمتها الأستاذ محمد سالم بن علي جابر، رئيس مجلس الإدارة، الذي أسهم في توفير البيئة المؤسسية الداعمة، إلى جانب البروفيسور عبدالله سعيد الجعيدي، رئيس المركز، الذي قاد المسار العلمي بكفاءة واقتدار.
كما لا يمكن إغفال الدور البارز لنائب رئيس المركز البروفيسور عبدالقادر علي باعيسى، الذي شكل إضافة نوعية في توجيه العمل البحثي وتعزيز الشراكات العلمية، إلى جانب نخبة من الباحثين والأكاديميين الذين شكلوا العمود الفقري لهذا الصرح.
ومن أبرز إنجازات المركز إصداره لمجلة حضرموت الثقافية، التي أصبحت منبرًا علميًا مرموقًا لنشر البحوث والدراسات، وأسهمت في تعزيز الحضور الأكاديمي لبلاد حضرموت في الفضاءين العربي والدولي، لما تتسم به من جودة علمية وتحكيم رصين.
كما أسهم المركز في إطلاق مشروعات توثيقية كبرى، من بينها مشروع موسوعة المدن والبلدان الحضرمية، الذي يمثل جهدًا علميًا استثنائيًا في توثيق الجغرافيا التاريخية والعمرانية، وهو ما يعكس توجهًا استراتيجيًا نحو بناء قواعد بيانات معرفية متكاملة.
ولم يقتصر دور المركز على النشر والتوثيق، بل امتد إلى تنظيم الفعاليات العلمية، والندوات، والجلسات الحوارية، التي تسهم في تحفيز النقاش الأكاديمي، وتعزيز التواصل بين الباحثين، وإثراء الحقل المعرفي الحضرمي.
وقد شكلت الذكرى العاشرة لتأسيس المركز محطة تقييمية مهمة، أظهرت حجم الإنجاز المتحقق، وكشفت في الوقت ذاته عن طموحات مستقبلية تسعى إلى توسيع نطاق العمل البحثي، والانفتاح على مجالات جديدة في الدراسات التاريخية والإنسانية.
إن ما يميز تجربة المركز هو قدرته على التكيف مع التحولات المعاصرة، بما في ذلك توظيف التقنيات الحديثة، مثل الذكاء الاصطناعي، في خدمة العمل التوثيقي، وهو ما يعكس وعيًا متقدمًا بمتطلبات العصر.
وفي سياق متصل، فإن المركز لم يكن معزولًا عن محيطه المجتمعي، بل كان فاعلًا في تعزيز الوعي الثقافي، وترسيخ الانتماء الحضاري، من خلال إبراز رموز حضرموت التاريخية، وإحياء تراثها المادي والمعنوي.
كما أن الشراكة مع المؤسسات الرسمية، وعلى رأسها السلطة المحلية في حضرموت، أسهمت في دعم أنشطة المركز، وتوفير مظلة رسمية تعزز من استدامة العمل المؤسسي، وتفتح آفاقًا جديدة للتعاون.
ومع ذلك، فإن التحديات لا تزال قائمة، سواء على مستوى التمويل، أو البنية التحتية، أو استقطاب الكفاءات، وهو ما يتطلب رؤية استراتيجية طويلة المدى، تضمن استمرارية هذا المشروع الحيوي.
إن مستقبل المركز مرهون بقدرته على التحول إلى منصة معرفية إقليمية، تستقطب الباحثين، وتنتج المعرفة، وتسهم في إعادة كتابة تاريخ حضرموت وفق مقاربات علمية حديثة، بعيدة عن التحيزات والاختزالات.
وتأسيسًا على ما سبق، فإن مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر ليس مجرد مؤسسة، بل هو ذاكرة أمة، ومرآة حضارة، ومشروع مستقبلي واعد. وإننا إذ نحيي القائمين عليه، فإننا نؤكد أن دعمه وتعزيزه هو واجب علمي وثقافي ووطني، لما يمثله من ركيزة أساسية في صون الهوية الحضرمية وبناء الوعي التاريخي الرصين.
*ملاحظة:* يمثل هذا المقال موجزًا أكاديميًا أُعِدَّ على نحو عاجل، مُستَلًّا من مسودة أولية لدراسة علمية موسعة أعددناها حول مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر، ومن المزمع إصدارها قريبًا –بإذن الله تعالى– في صيغة مُحكَّمة أكثر تفصيلًا وعمقًا.

إغلاق