رَحَلْتَ يَا عَبْدَالرَّؤُوف.. لَكِنَّكَ لَمْ تَرْحَلْ مِنَ الْقُلُوب
بقلم / عَبْدُالْبَاسِطِ بن سَلْمَانْ
الجمعة 13 مارس 2026
كَتَبْتُ هٰذِهِ الْكَلِمَاتِ وَقَلْبِي يَئِنُّ أَلَمًا، وَعَيْنِي تَفِيضُ دَمْعًا، مُنْذُ أَنْ انْتَشَرَ خَبَرُ رَحِيلِكَ يَا عَبْدَالرَّؤُوفِ، خَيَّمَ الْحُزْنُ عَلَى الْقُلُوبِ، وَسَادَ الصَّمْتُ الْمَمْزُوجُ بِالدُّمُوعِ بَيْنَ النَّاسِ. خَيَّمَ الْحُزْنُ عَلَى الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ، وَعَلَى الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، وَكَأَنَّ الْقَرْيَةَ كُلَّهَا لَبِسَتْ ثَوْبًا أَسْوَدَ، لَقَدْ نَزَلَ خَبَرُ وَفَاتِكَ كَالصَّاعِقَةِ؛ خَبَرٌ أَوْجَعَ الْقُلُوبَ قَبْلَ أَنْ تُصَدِّقَهُ الْعُقُولُ، وَأَدْمَى الْعُيُونَ قَبْلَ أَنْ تَسْتَوْعِبَهُ الْأَرْوَاحُ. تَوَقَّفَ النَّاسُ لَحْظَةَ ذُهُولٍ، يَتَسَاءَلُونَ بِوَجَعٍ: أَحَقًّا رَحَلَ عَبْدَالرَّؤُوفُ؟ أَحَقًّا غَابَ ذٰلِكَ الشَّابُّ الْبَسِيطُ الَّذِي كَانَ حُضُورُهُ يَمْلَأُ الْمَكَانَ نُورًا وَبَهْجَةً؟
وَكَيْفَ سَيَتَحَمَّلُ الْحَيُّ غِيَابَكَ، وَقَدِ اعْتَادَ حُضُورَكَ بَيْنَ أَزِقَّتِهِ وَوُجُوهِهِ؟ وَكَيْفَ سَيَتَحَمَّلُ الْمَسْجِدُ فَقْدَكَ، وَقَدْ كَانَ يَعْرِفُ خُطَاكَ قَبْلَ أَنْ يَرَاكَ، وَيَشْهَدُ لَكَ بِرَكَعَاتِكَ وَمَوَاقِفِكَ؟ وَكَيْفَ سَيَتَحَمَّلُ مُصْحَفُكَ الَّذِي لَازَمْتَهُ طَوِيلًا أَنْ تَبْقَى صَفَحَاتُهُ سَاكِنَةً بَعْدَ أَنْ كَانَتْ أَصَابِعُكَ تُقَلِّبُهَا بِخُشُوعٍ؟ ،كَأَنَّ الْأَمَاكِنَ مِنْ بَعْدِكَ أَصْبَحَتْ أَكْثَرَ صَمْتًا، وَكَأَنَّهَا تَفْتَقِدُ صَاحِبَهَا الَّذِي كَانَ يُحْيِيهَا بِحُضُورِهِ، كَيْفَ لَا يَكُونُ الْفَقْدُ مُوجِعًا، وَأَنْتَ الَّذِي كُنْتَ مَحْبُوبًا بَيْنَ النَّاسِ بِبَسَاطَتِكَ، وَبِقَلْبِكَ الطَّيِّبِ، وَبِابْتِسَامَتِكَ الصَّادِقَةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ تُفَارِقُ وَجْهَكَ؟ كُنْتَ خَفِيفَ الظِّلِّ، قَرِيبًا مِنَ الْجَمِيعِ، تَدْخُلُ الْقُلُوبَ بِلَا اسْتِئْذَانٍ، وَتَتْرُكُ فِيهَا أَثَرًا لَا يُمْحَى.
يَا عَبْدَالرَّؤُوفِ.. لَقَدْ كُنْتَ شَابًّا يَشْهَدُ لَكَ الْجَمِيعُ بِالْخَيْرِ، يَعْرِفُونَكَ بِصَفَاءِ رُوحِكَ، وَبِأَخْلَاقِكَ الطَّيِّبَةِ، وَبِقَلْبِكَ الَّذِي كَانَ يَسَعُ الْجَمِيعَ. كُلُّ مَنْ عَرَفَكَ الْيَوْمَ يَذْكُرُكَ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، وَكُلُّ مَنْ جَالَسَكَ يَسْتَحْضِرُ مَوْقِفًا جَمِيلًا لَكَ، وَكُلُّ مَنْ الْتَقَى بِكَ يَشْهَدُ أَنَّكَ كُنْتَ شَابًّا صَالِحًا خَدُومًا، مُحِبًّا لِلْخَيْرِ، قَرِيبًا مِنَ النَّاسِ، حَاضِرًا فِي أَفْرَاحِهِمْ وَأَحْزَانِهِمْ، رَحَلْتَ عَنَّا خَفِيفَ الظِّلِّ.. لَكِنَّ الْفَقْدَ تَرَكَ فِي قُلُوبِنَا ثِقْلًا يَزِنُ الْجِبَالَ. رَحَلْتَ سَرِيعًا، وَكَأَنَّ الْحَيَاةَ اسْتَعَارَتْكَ مِنَّا قَلِيلًا ثُمَّ أَعَادَتْكَ إِلَى خَالِقِكَ.
وَكَيْفَ سَيَنْسَى الْمَلْعَبُ خُطُوَاتِكَ؟ وَقَدْ كُنْتَ فِيهِ رُوحًا حَاضِرَةً قَبْلَ أَنْ تَكُونَ لَاعِبًا، كُنْتَ تُحِبُّ الرِّيَاضَةَ لَا لِمُجَرَّدِ الْمُنَافَسَةِ، بَلْ لِمَا فِيهَا مِنْ أَخْلَاقٍ وَرُوحٍ طَيِّبَةٍ تَجْمَعُ الْقُلُوبَ، كُنْتَ تَدْخُلُ الْمَلْعَبَ بِابْتِسَامَتِكَ الْمَعْهُودَةِ، تَلْعَبُ بِحَمَاسٍ، وَتُغَادِرُهُ بِمَحَبَّةِ الْجَمِيعِ. لَمْ تَكُنِ الرِّيَاضَةُ عِنْدَكَ فَوْزًا وَخَسَارَةً فَحَسْبُ، بَلْ كَانَتْ أَخْلَاقًا وَاحْتِرَامًا وَرُوحًا جَمِيلَةً يَعْرِفُهَا كُلُّ مَنْ لَعِبَ مَعَكَ أَوْ شَاهَدَكَ.
يَا عَبْدَالرَّؤُوفِ.. لَنْ نَنْسَاكَ، لِأَنَّ الطَّيِّبِينَ لَا يُنْسَوْنَ. سَتَبْقَى ضَحِكَتُكَ عَالِقَةً فِي الذَّاكِرَةِ، وَسَتَبْقَى مَوَاقِفُكَ الطَّيِّبَةُ حَاضِرَةً فِي الْقُلُوبِ، وَسَيَبْقَى ذِكْرُكَ الْجَمِيلُ يَتَرَدَّدُ فِي الْمَجَالِسِ كُلَّمَا ذُكِرَتِ الْأَخْلَاقُ.
إِلَى أَهْلِكَ الْكِرَامِ.. نَعْلَمُ أَنَّ مُصَابَكُمْ عَظِيمٌ، وَأَنَّ الْكَلِمَاتِ مَهْمَا بَلَغَتْ بَلَاغَتُهَا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُدَاوِيَ جُرْحَ الْفَقْدِ، وَلَا أَنْ تُخَفِّفَ لَوْعَةَ الْفِرَاقِ. لَكِنَّ عَزَاءَنَا أَنَّ عَبْدَالرَّؤُوفَ كَانَ صَاحِبَ سِيرَةٍ طَيِّبَةٍ، وَمَحَبَّةٍ صَادِقَةٍ فِي قُلُوبِ النَّاسِ، وَهٰذِهِ أَعْظَمُ شَهَادَةٍ يَتْرُكُهَا الْإِنْسَانُ بَعْدَ رَحِيلِهِ، اصْبِرُوا وَاحْتَسِبُوا، وَاللَّهُ لَا يُضِيعُ دَمْعَةَ صَبْرٍ، وَلَا أَنَّةَ قَلْبٍ مَوْجُوعٍ. نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُصَبِّرَ قُلُوبَكُمْ، وَأَنْ يَرْبِطَ عَلَى أَفْئِدَتِكُمْ، وَأَنْ يَجْعَلَ مَا أَصَابَكُمْ رِفْعَةً فِي الدَّرَجَاتِ، وَتَكْفِيرًا لِلسَّيِّئَاتِ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِكَ عَبْدِالرَّؤُوفِ، وَارْحَمْهُ رَحْمَةً وَاسِعَةً، وَنَوِّرْ قَبْرَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاجْعَلْ قَبْرَهُ رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَاجْمَعْهُ مَعَ الصَّالِحِينَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
أَمَّا نَحْنُ.. فَمَا زِلْنَا نُحَاوِلُ أَنْ نُصَدِّقَ أَنَّ عَبْدَالرَّؤُوفَ لَمْ يَعُدْ بَيْنَنَا، نُحَاوِلُ أَنْ نَتَقَبَّلَ فِكْرَةَ أَنَّ ذٰلِكَ الْوَجْهَ الْمُبْتَسِمَ الَّذِي كُنَّا نَرَاهُ كُلَّ يَوْمٍ، صَارَ الْيَوْمَ دُعَاءً فِي الْغَيْبِ، وَذِكْرَى فِي الْقُلُوبِ، رَحَلْتَ عَنْ أَعْيُنِنَا.. لَكِنَّ حُضُورَكَ سَيَبْقَى فِي ذَاكِرَتِنَا، وَذِكْرُكَ سَيَبْقَى فِي دُعَائِنَا، وَمَحَبَّتُكَ سَتَبْقَى فِي قُلُوبِنَا مَا بَقِيَتِ الْحَيَاةُ، رَحِمَكَ اللَّهُ رَحْمَةً وَاسِعَةً، وَجَعَلَ الْجَنَّةَ دَارَكَ، وَأَلْهَمَ أَهْلَكَ وَمُحِبِّيكَ الصَّبْرَ وَالسُّلْوَانَ.
وَمَهْمَا حَاوَلْنَا أَنْ نَكْتُبَ عَنْكَ، وَمَهْمَا أَسْرَفْنَا فِي كَلِمَاتِ الرِّثَاءِ وَالْحُزْنِ، فَلَنْ نُوَفِّيَكَ حَقَّكَ، وَلَنْ تَبْلُغَ الْحُرُوفُ مِقْدَارَ مَا تَرَكَهُ رَحِيلُكَ مِنْ وَجَعٍ فِي الْقُلُوبِ. فَبَعْضُ الْفَقْدِ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ تَحْتَوِيَهُ الْكَلِمَاتُ، وَبَعْضُ الْأَحْزَانِ أَعْمَقُ مِنْ أَنْ تَصِفَهَا الْعِبَارَاتُ، سَنَكْتُبُ عَنْكَ كَثِيرًا، وَسَنَذْكُرُ مَوَاقِفَكَ الطَّيِّبَةَ، وَابْتِسَامَتَكَ الَّتِي كَانَتْ تَسْبِقُكَ إِلَى الْقُلُوبِ، لَكِنَّنَا نُدْرِكُ أَنَّ كُلَّ مَا نَقُولُهُ سَيَظَلُّ أَقَلَّ بِكَثِيرٍ مِنْ قَدْرِكَ فِي نُفُوسِنَا، وَأَصْغَرَ مِنْ أَثَرِ رَحِيلِكَ فِي حَيَاتِنَا.
لَقَدْ رَحَلْتَ جَسَدًا.. لَكِنَّ ذِكْرَاكَ الطَّيِّبَةَ سَتَبْقَى حَيَّةً بَيْنَنَا، تَتَرَدَّدُ فِي الدَّعَوَاتِ، وَتَسْكُنُ فِي الْقُلُوبِ مَا بَقِيَ الْعُمُرُ.
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ






