اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

لماذا لسنا مثلهم؟!

لماذا لسنا مثلهم؟!

( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب: السفير د. عادل محمد علي باحميد
سفير اليمن لدى ماليزيا
25 فبراير 2026

كثيرًا ما يقفز إلى أذهاننا، ونحن نسافر إلى بلدٍ مستقر، أو نعيش فيه أيامًا قليلة، أو حتى نتابع أخباره من بعيد، سؤالٌ ثقيل الوطأة على القلب: *لماذا لسنا مثلهم؟!*.

يُطلّ هذا السؤال كلما رأينا الناس يحتفلون بأعيادهم بلا خوف، ويمارسون حياتهم اليومية بطمأنينة، ويستمتعون بخدماتٍ لا تنقطع، من كهرباءٍ مستقرة، وإنترنت سريع، وطرقٍ مهيأة، وجسورٍ ممتدة، وقطاراتٍ دقيقة المواعيد، ومطاراتٍ منظمة، فضلًا عن صحةٍ مصانة، وتعليمٍ محترم، وضمانٍ اجتماعي يحفظ كرامة الإنسان، بل حتى نظافة الشوارع واحترام النظام في أبسط تفاصيل الحياة.

ثم تبدأ المقارنة، وغالبًا ما تكون مقارنة موجعة، لا تخلو من مرارة، وقد تنتهي إلى إحباطٍ صامت أو شعورٍ دفين بالنقص. ويتضاعف هذا الإحباط ويشتد حين نصطدم برفضٍ قاسٍ عند التقدم لفرصة عمل أو طلب تأشيرة؛ رفضٍ لا علاقة له بما نحمله من مؤهلات أو كفاءات، فنفاجأ بأن كل ما أنجزناه في حياتنا، وما اكتسبناه من شهادات وقدرات وخبرات، يتراجع خطوة إلى الخلف عند ذكر الجنسية، وكأنها بطاقة حكمٍ مُسبق لا يُسمح بعدها للمقدرات أن تتكلم.

ويظل السؤال يتكرر بإلحاح: لماذا لسنا مثلهم؟!، وفي تقديري أن الإجابة، مهما بدت مؤلمة، فإنها ليست غامضة. بل إنها تكمن في حقيقةٍ بسيطة وعميقة في آنٍ واحد: أن ما نراه من تقدمٍ وازدهار في تلك الدول والمجتمعات لم يكن وليد الصدفة، ولا منحةً سماوية خاصة، بل ثمرة تغيير حقيقي بدأ من داخل الإنسان، من طريقة تفكيره، ومن منظومة القيم والسلوك التي تحكم علاقته بنفسه وبالآخرين وبالدولة.

ومع ذلك، ومن باب الإنصاف قبل الاسترسال في هذا الطرح، لا بد من قول الحقيقة كاملة بلا مواربة: إن شعوبنا اليوم لا تعاني فقط من خللٍ في التفكير أو السلوك، بل تعاني قبل ذلك من واقعٍ قاسٍ، وانهيارٍ مؤلم في مؤسسات الدولة، وغيابٍ للمرتبات، وتدهورٍ في الخدمات، وفسادٍ مستشرٍ، وصراعاتٍ أنهكت الإنسان في لقمة عيشه وأمنه وكرامته. ولا يمكن، ولا يجوز، تحميل المواطن البسيط وحده مسؤولية واقع لم يكن صانعه، ولا تبرير فشل القيادات السياسية والمجتمعية، بل وتقاعس بعضها، في أداء واجباتها تجاه شعوبها. غير أن هذا الاعتراف، على أهميته وضرورته، لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للاستسلام، ولا إلى ذريعة لتعطيل دور الفرد في إحداث التغيير والنهوض المأمول، لأن تغيير الواقع لا يتم فقط بمحاسبة المسؤولين، بل أيضًا ببناء إنسانٍ واعٍ، يهيئ الأرضية المناسبة لأي نهضة حقيقية حين تتوفر شروطها السياسية والمؤسسية.

هذه الشعوب التي نُعجب اليوم وننبهر بما وصلت إليه لم تكن يومًا على هذه الصورة. لم تولد متقدمة، ولم تُخلق مستقرة. لقد عاشت فقرًا مدقعًا، واستعمارًا قاسيًا، وحروبًا مدمرة، وصراعات داخلية، وانهيارات اقتصادية واجتماعية، بل إن بعضها مرّ بمراحل كان اليأس فيها أقرب من الأمل. لكنها، في لحظة وعي حاسمة، أدركت أن الاستمرار في الدوران داخل دائرة الشكوى واللوم لن يغيّر شيئًا، وأن الطريق الوحيد للخروج من القاع يبدأ بتغيير الذات.

في ماليزيا، لم يكن الاستقلال بداية رفاه، بل بداية مواجهة مع واقعٍ صعب: مجتمع منقسم، واقتصاد ضعيف، وبنية تحتية محدودة. وقد أدرك قادة التجربة الماليزية، وفي مقدمتهم مهاتير محمد، أن جوهر الأزمة لم يكن في نقص الموارد وحده، بل فيما سمّاه صراحةً معضلة المالايو، حين تجرأ على نقد الذهنية السائدة داخل مجتمعه، مشيرًا إلى أن التخلف لا يُعالج بالإنكار أو تبرير الفشل، بل بالاعتراف بالخلل والعمل على تغييره. ومن هنا بدأ التحول الحقيقي حين جرى الاستثمار في الإنسان؛ في التعليم، والانضباط، واحترام القانون، وقيمة العمل، وتقديس الوقت. تغيّرت الثقافة قبل أن تتغير المباني، فتحولت البلاد خلال عقود قليلة إلى نموذجٍ تنموي يحظى بالاحترام.

وفي فيتنام، التي خرجت من حربٍ طاحنة دمّرت البشر والحجر، كان يمكن أن تبقى أسيرة الذاكرة الدامية، لكنها اختارت أن تتحول من عقلية الحرب إلى عقلية البناء، ومن منطق العداء إلى منطق الإنتاج والانفتاح، فأعادت تعريف نفسها، وأعادت بناء اقتصادها، وفرضت حضورها في العالم.

أما كمبوديا، التي ذاقت ويلات الإبادة الجماعية والانهيار الأخلاقي والاجتماعي، فقد اختارت رغم الجراح أن تتصالح مع ذاتها، وأن تبني دولة تتسع للجميع، وأن تجعل السلم المجتمعي والعمل الجاد أساسًا للمستقبل.

الجامع بين هذه التجارب ليس وفرة الموارد، بل تحول العقل الجمعي. فثقافة التخلّف ليست فقرًا في المال بقدر ما هي فقر في الوعي، تظهر حين نبرر الفشل بدل أن نواجهه، وحين نقدّس الشعارات ونزدري العمل، ونلهث خلف مشاريع الوهم السياسي، وحين نُشيع الفوضى ونخاصم النظام، وحين نُحمّل الآخرين دائمًا مسؤولية ما نحن فيه، وحين نرفض النقد ونحارب النجاح ونستهين بالوقت وننظر إلى القانون كعقبة لا كضمانة.

وفي المقابل، فإن ثقافة التقدم تبدأ حين يؤمن الإنسان بأن التغيير مسؤوليته أولًا، وحين يحترم النظام لأنه يحمي الجميع، وحين يُتقن عمله بصمت بدل أن يرفع صوته بالشكاوى، وحين يتعلم من الخطأ بدل أن يُنكره، وحين يرى في الأزمات فرصًا للتعلم والنهوض لا مبررات للانهيار.

ومن أهم أعمدة هذا التحول أيضًا ثقافة التعايش والقبول بالآخر، القبول بالاختلاف في الرأي والفكر والمعتقد، بوصفه سنة من سنن الحياة، لا سببًا للخصومة والعداء. فالمجتمعات لا تنهض حين يخوّن أبناؤها بعضهم بعضًا، ولا حين تتحول الاختلافات الفكرية إلى ساحات اتهام وتكفير وإقصاء، بل تنهض حين تُدار الخلافات بعقلٍ راشد، واحترامٍ متبادل، وإيمان بأن التنوع مصدر قوة لا تهديد.

ولا بد من الإقرار، بصدقٍ ووضوح، أن مسؤولية التغيير ليست حكرًا على القيادات السياسية أو النخب المجتمعية وحدها، وإن كانت تتحمل القسط الأكبر والأوفر من ذلك. فالتغيير الحقيقي مشروعٌ تشاركي، يبدأ من الفرد، من وعيه بذاته، من سلوكه في بيته، من تربيته لأبنائه، من أمانته في عمله، من احترامه للقانون، من إحساسه بمسؤوليته تجاه مجتمعه ووطنه. فالدول لا تُبنى فقط بالقرارات العليا، بل بالسلوك اليومي لملايين الأفراد.

إن سؤال *لماذا لسنا مثلهم؟!* سيظل يلاحقنا ما دمنا ننتظر التغيير من الخارج، ونؤجله في الداخل، لا سيما في دواخلنا. أما حين نمتلك الشجاعة لنغيّر ما بأنفسنا، فسنكتشف أن الطريق الذي سلكته تلك الشعوب ليس مستحيلًا، وأن النهضة لا تبدأ بمعجزات، بل بوعي، وإرادة، واختيار صادق للتقدم، مهما طال الطريق.

*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*

إغلاق