تطلعات الدولة الجديدة: بين الطموحات والتحديات، وحتمية القيادة، والشراكة
بقلم / أحمد عبدالقادر بن الشيخ أبوبكر
الخميس 1 يناير 2025
في مخاض مرحلة التحول السياسي، وحتى تتشكّل ملامح دولة مدنية قائمة على مؤسسات حقيقية، تتعاظم مسؤولية المواطن والقيادة معًا، لا سيما في ظل ضعف الرقابة المؤسسية، حيث يصبح الوازع الديني والأخلاقي خط الدفاع الأول عن المجتمع والدولة.
وقد أثبت التاريخ الحضرمي أن الرصيد الأخلاقي كان – ولا يزال – رأس مال حقيقيًا، حمله الحضارم بأمانة وإخلاص أينما وُجدوا، فكانوا نموذجًا في العمل والكفاءة والسبق المعرفي، وهو ما نفاخر به، وقد ظهر جليًا في تعاطيهم المسؤول مع الأحداث الأخيرة التي تعصف بنا.
إن مرحلة التحول السياسي تتطلب من الجميع، وعلى وجه الخصوص المكونات العسكرية، توحيد الصف، والارتقاء إلى مستوى المسؤولية التاريخية، واستحضار قيم وتاريخ الآباء الحضارم في الحكمة والاتزان؛ أولئك الذين قادوا الثورات وحركات التحرر في المهجر، وكأنهم من أهلها، لما عُرفوا به من وفاء وحنكة.
وهو ما نعقد عليه آمالنا اليوم، بأن يُغلِّب قادة الحاضر صوت الحكمة والعقل، وأن يراعوا الأعراف والقيم الحضرمية الإسلامية الأصيلة في التعامل مع الوضع العسكري والأمني الحساس، وأن يترفعوا عن المكايدات وإملاءات الخارج، حتى لا نتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات وحروب الوكالة.
كما نحثّ من تصدّروا المشهد السياسي على أن يستلهموا من تاريخ آبائهم الحضارم الحكمة والمرونة، وأن تكون قراراتهم نابعة من رؤية مستقبلية واضحة يلمسها المواطن، فيثق بها ويطمئن على حاضره ومستقبله.
لقد بات الوقت غير مناسب للشعارات الرنانة، ولا للإملاءات الخارجية، ولا للانتهازية السياسية، كما لم يعد هناك مكان لخطاب التخوين أو الإقصاء. فالدولة لا تُبنى بالتهميش، بل بإشراك الكفاءات، والاستفادة من أهل الخبرة، دون اعتبار لانتماءاتهم الطائفية أو المناطقية.
ويعلّمنا التاريخ أن فقدان البوصلة الأخلاقية والسياسية يحوّل الدولة إلى ساحة صراع ونفوذ، لا إلى وطنٍ جامع.
كما أن أخطر ما يهدد أي كيان سياسي هو تعميق الانقسامات المجتمعية، واستنساخ نماذج فاشلة وبعيدة عن الواقع، كالشيوعية التي ماتت في قعر دارها، أو بعض المكونات الإسلامية التي يكون ولاؤها للمرشد الأعلى قبل الوطن، أو التيارات المتطرفة بمسمياتها الزائفة، أو الشركات الأمنية الممولة والمصدَّرة من الخارج؛ وهي جميعها مسارات لم تكن يومًا مشروع بناء، بل مقدمات مؤكدة للتفكك والاحتقان.
ختامًا، إن غياب القيادة الجامعة، وتهميش الكفاءات، وضعف الرقابة، يفتح الباب واسعًا أمام مشاريع خارجية تستهدف الثروة والهوية والسيادة.
والوقاية من ذلك تبدأ بقيادة تستوعب الجميع، وتثق بها الجماهير، وتدافع عن السيادة، وتُقرّب الدولة من المواطن.
فبناء الدولة مشروعٌ جماعيٌّ مسؤول، لا يحتكره طرف، ولا يُبنى بالتسيّب؛ إما أن يُنجز على أساس الثقة، والكفاءة، والعدالة، والعمل الجاد، والرقابة الحكيمة، أو تُترك الساحة للفوضى المقنّعة، وحينها يكون الثمن باهظًا.






