من مجزرة معسكر العلم في شبوة إلى استهداف معسكر العللة في الضالع.. لماذا تتكرر الكارثة وتغيب إجراءات الحماية؟ –
تاربة اليوم
2026-11-06 03:38:00
من مجزرة معسكر العلم في شبوة إلى استهداف معسكر العللة في الضالع.. لماذا تتكرر الكارثة وتغيب إجراءات الحماية؟
الخميس 05 نوفمبر 2026 – الساعة:18:38:37
( / تقرير غازي العلوي 🙂
الضالع تنزف..
عشرات الشهداء والجرحى بقصف حوثي على معسكر تدريبي شمالي الضالع
لماذا لم تمنع مجزرة شبوة تكرار المأساة في الضالع؟
كم مجزرة أخرى يحتاجها القادة حتى يتعلموا حماية الجنود؟
كيف تحولت معسكرات التدريب إلى أهداف مكشوفة للصواريخ الحوثية؟
هل أصبحت حياة المجندين رهينة الإخفاقات العسكرية؟
أين إجراءات الحماية.. ومن يتحمل مسؤولية دماء الجنود؟
قادة فاشلون وجنود يدفعون الثمن
مرة أخرى، يدفع الجنود الجدد ثمن الإخفاقات العسكرية، ويسقط المجندون بين قتيل وجريح تحت ضربات الصواريخ الحوثية، في مشهد يعيد إلى الواجهة سؤالاً بالغ الخطورة: من المسؤول عن حماية المعسكرات ومراكز التدريب؟ وكيف يمكن أن تتحول مواقع يفترض أنها مخصصة لإعداد المقاتلين وتأهيلهم إلى أهداف مكشوفة أمام صواريخ العدو، دون اتخاذ التدابير الكفيلة بتقليل الخسائر وحماية الأرواح؟
لم تكن الضربة الصاروخية التي استهدفت معسكر العللة التدريبي في منطقة نقيل الشيم بمديرية قعطبة، شمالي محافظة الضالع، مجرد هجوم عسكري عابر، بل كشفت مجدداً حجم المخاطر التي تحيط بالمواقع العسكرية، وأعادت طرح علامات استفهام جدية حول مستوى الاستعداد والجاهزية، ومدى الالتزام بإجراءات الأمن والحماية في المعسكرات الواقعة ضمن نطاق التهديد المباشر لمليشيا الحوثي.
فبينما كانت دفعات من المجندين المستجدين تنفذ تدريباتها الصباحية، باغتتها الصواريخ الباليستية الحوثية، لتتحول ساحة التدريب خلال لحظات إلى مسرح للدماء والضحايا، وتسابق سيارات الإسعاف الزمن لإنقاذ المصابين، فيما كانت أسر الجنود تنتظر أخباراً عن أبنائها الذين التحقوا بالمؤسسة العسكرية أملاً في أداء واجبهم الوطني.
العللة.. صواريخ باليستية تحصد أرواح المجندين
وفقاً للمعلومات الواردة من مصادر طبية وعسكرية، استهدفت مليشيا الحوثي صباح أمس معسكر العللة بصاروخين باليستيين أثناء تنفيذ الطابور الصباحي والتدريبات للمجندين الجدد الملتحقين ضمن عملية «فجر اليمن»، ما أسفر، وفق الحصيلة الأولية، عن سقوط عشرة شهداء ونحو خمسين جريحاً، وسط مخاوف من ارتفاع عدد الضحايا جراء وجود إصابات حرجة.
وسارعت فرق الإسعاف إلى نقل المصابين إلى مستشفى النصر بمدينة الضالع والمستشفى الميداني في منطقة سناح، الذي أطلق نداءً عاجلاً للتبرع بالدم، قبل أن تتواصل عمليات نقل الحالات الخطرة إلى مستشفيات العاصمة عدن، في ظل استنفار طبي لاستقبال الجرحى وتقديم الرعاية اللازمة لهم.
وتكشف طبيعة الهجوم وتوقيته، واستهداف تجمع للمجندين خلال نشاط تدريبي مكشوف، حجم الخطر الذي يواجهه الجنود في هذه المواقع، وتضع إجراءات الحماية المتخذة داخل المعسكر أمام اختبار جدي، لا سيما أن المعسكر يقع في منطقة قريبة من خطوط التماس، حيث يفترض أن تكون التدابير الاحترازية في أعلى مستوياتها.
من معسكر العلم إلى العللة.. الكارثة تتكرر والضحايا جنود
الأكثر إثارة للقلق أن استهداف معسكر العللة لم يأتِ في سياق منفصل، بل وقع بعد نحو أسبوعين فقط من المجزرة التي شهدها معسكر العلم في ضواحي مدينة عتق بمحافظة شبوة، عندما تعرض تجمع عسكري لقصف حوثي أوقع عشرات القتلى ومئات الجرحى، وفق الأرقام المتداولة بشأن الهجوم.
وبين الحادثتين قواسم مشتركة لا يمكن تجاوزها؛ فالمستهدف في الحالتين تجمعات عسكرية ومجندون، والنتيجة خسائر بشرية ثقيلة، فيما يظل السؤال الأهم متعلقاً بمدى الاستفادة من التجربة السابقة، وما إذا كانت الإجراءات الأمنية والعسكرية قد خضعت لمراجعة حقيقية عقب مجزرة شبوة.
فبعد سقوط هذا العدد الكبير من الضحايا في معسكر العلم، كان يفترض أن تتحول الواقعة إلى محطة مراجعة شاملة لإجراءات حماية المعسكرات ومراكز التدريب، وأن تُتخذ تدابير عاجلة تمنع تكرار المشهد، خصوصاً في المواقع التي تقع ضمن نطاق الصواريخ والأسلحة الحوثية بعيدة المدى.
لكن تكرار الاستهداف في الضالع يعيد التساؤل حول ما إذا كانت الدروس قد استوعبت فعلاً، أم أن حياة الجنود ما تزال رهينة إجراءات تقليدية لا تتناسب مع طبيعة التهديدات العسكرية القائمة؟
قيادات تحت المساءلة.. أين إجراءات الحماية؟
لا يمكن التعامل مع هذه الخسائر باعتبارها مجرد نتائج طبيعية لهجوم صاروخي، أو الاكتفاء بإدانة الجريمة الحوثية، فالمسؤولية لا تتوقف عند الجهة التي أطلقت الصواريخ، بل تمتد إلى مراجعة أداء القيادات والجهات العسكرية المعنية بتأمين المعسكرات، والتحقق من مدى التزامها بالتدابير الاحترازية المفترضة في مناطق العمليات.
فوجود معسكر تدريبي في نطاق جغرافي قريب من خطوط التماس يفرض، من الناحية العسكرية، مستوى عالياً من الحيطة والحذر، ويستدعي إجراءات تتناسب مع طبيعة التهديد، وفي مقدمتها تقييم المخاطر، وتأمين مواقع التدريب، وتجنب التجمعات البشرية الكبيرة في الأماكن المكشوفة، وتوفير الإنذار المبكر، ووضع خطط للإخلاء والإسعاف والتعامل مع الطوارئ.
كما تبرز أهمية توزيع المجندين على مواقع تدريبية آمنة، وعدم جمع أعداد كبيرة منهم في نقطة واحدة لفترات طويلة، خصوصاً أثناء الطوابير والتجمعات الصباحية التي يمكن أن تتحول إلى أهداف سهلة للرصد والاستهداف.
وهنا تبرز أسئلة لا بد من الإجابة عنها: هل جرى تقييم المخاطر المحيطة بمعسكر العللة قبل استقبال دفعات المجندين؟ وهل كانت هناك تحذيرات أو مؤشرات مسبقة بشأن احتمالات استهدافه؟ وما طبيعة الإجراءات التي اتخذتها القيادة العسكرية لحماية المتدربين؟ وهل كانت وسائل الإنذار والإخلاء والاستجابة الطبية متناسبة مع حجم التهديد؟
إن طرح هذه الأسئلة لا ينتقص من تضحيات الجنود، ولا يقلل من خطورة الاعتداء الحوثي، بل يمثل الحد الأدنى من المسؤولية تجاه أرواح المقاتلين الذين لا ينبغي أن يتحولوا إلى ضحايا لإهمال أو قصور يمكن تداركه.
المجندون ليسوا أرقاماً في بيانات النعي
المفارقة المؤلمة أن هؤلاء المجندين كانوا في بداية طريقهم العسكري، ولم يكونوا في اشتباك مباشر مع العدو أو في مواجهة ميدانية تفرض بطبيعتها احتمالات الخسارة، بل كانوا داخل معسكر يفترض أنه يوفر لهم الحد الأدنى من الحماية أثناء التدريب والتأهيل.
ومن هنا تتضاعف مسؤولية القيادات العسكرية؛ فالمجند الذي يلتحق بالجيش يضع حياته في عهدة المؤسسة العسكرية، ويثق بأن قياداته تدرك طبيعة المخاطر المحيطة به، وتعمل على توفير الظروف التي تمكنه من أداء واجبه دون تعريضه لمخاطر كان بالإمكان الحد منها.
ولا يكفي بعد كل مجزرة إصدار بيانات التعزية والنعي، أو الإشادة بتضحيات الشهداء، ما لم تترافق تلك البيانات مع مراجعة جادة للأسباب والملابسات، وتحديد أوجه القصور، ومحاسبة كل من يثبت إهماله أو تقصيره، واتخاذ إجراءات عملية تمنع تكرار المأساة.
فالتضحيات العسكرية لا ينبغي أن تكون غطاءً للصمت عن الأخطاء، كما أن الوفاء للشهداء لا يتحقق بتعداد أسمائهم فحسب، وإنما بحماية زملائهم ومنع سقوط ضحايا جدد بالطريقة ذاتها.
صواريخ الحوثيين تستهدف المعسكرات.. والجاهزية يجب أن تتغير
في ظل امتلاك مليشيا الحوثي ترسانة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، لم يعد من الممكن إدارة المعسكرات ومراكز التدريب بالأساليب التقليدية، أو التعامل مع المواقع العسكرية القريبة من خطوط المواجهة باعتبارها مناطق آمنة لمجرد أنها بعيدة عن الاشتباكات المباشرة.
لقد أثبتت الضربات التي طالت معسكري العلم والعللة أن التهديد الصاروخي بات عاملاً أساسياً ينبغي أن يدخل في صميم التخطيط العسكري، وأن حماية الأفراد لا تقل أهمية عن حماية الأسلحة والمعدات والمنشآت.
وهذا يفرض إعادة تقييم مواقع المعسكرات، وتعزيز إجراءات الإنذار المبكر، وتطوير منظومات الاستجابة للطوارئ، ومراجعة آليات تنظيم التجمعات والتدريبات، إلى جانب رفع كفاءة التنسيق بين القيادات العسكرية والأجهزة الأمنية والفرق الطبية.
كما أن تكرار استهداف مراكز التدريب يستدعي فتح تحقيقات مهنية مستقلة في ملابسات الهجومين، وتحديد أوجه القصور المحتملة، وإعلان نتائج واضحة للرأي العام، بما يضمن عدم تحويل هذه الحوادث إلى وقائع تتكرر ثم تُطوى دون مساءلة.
من يحاسب المقصرين قبل أن تتكرر المجزرة؟
إن سقوط الشهداء والجرحى في معسكر العللة، بعد الخسائر الكبيرة التي شهدها معسكر العلم، يضع القيادات العسكرية المعنية أمام مسؤولية لا تحتمل التأجيل. فالمطلوب اليوم ليس فقط إدانة الهجمات الحوثية، وهي اعتداءات تستوجب الإدانة والمواجهة، وإنما أيضاً مراجعة منظومة الحماية والتأمين، ومساءلة المسؤولين عن أي إخفاق يثبت أنه أسهم في تعريض حياة الجنود للخطر.
فالمعسكرات ليست مجرد مواقع لإقامة التدريبات، والجنود ليسوا أعداداً يمكن تعويضها في كشوفات التجنيد، بل هم أرواح وعائلات وأحلام، وأفراد التحقوا بصفوف القوات المسلحة ليكونوا جزءاً من منظومة يفترض أنها تعرف كيف تحمي أبناءها قبل أن تطلب منهم مواجهة العدو.
وبين معسكر العلم في شبوة ومعسكر العللة في الضالع، تتكرر المأساة وتتسع دائرة الأسئلة، فيما تبقى الحقيقة الأشد إيلاماً أن الجنود هم من دفعوا الثمن بأرواحهم وأجسادهم.
لقد آن الأوان لأن تنتقل المؤسسة العسكرية من مرحلة التعامل مع الكوارث بعد وقوعها إلى مرحلة استباقها، وأن تصبح حماية المقاتلين أولوية لا تقل عن أي مهمة عسكرية أخرى. فالشجاعة وحدها لا تكفي في مواجهة الصواريخ، والتضحيات لا تعفي القيادات من واجباتها.
فكم من مجزرة أخرى يجب أن تقع حتى تصبح حماية الجنود مسؤولية فعلية، لا مجرد واجب مكتوب في اللوائح العسكرية؟







