من تفكيك القوة إلى تفكيك الابتزاز… ماذا بعد ضرب إيران؟
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن سعيد المرزم
2 نوفمبر 2026
لم يعد السؤال الأهم في المواجهة مع إيران: متى تقع الضربة المقبلة؟ بل ماذا سيحدث بعدها؟ ومن يضمن ألا تتحول كهرباء الخليج ومياهه ومطاراته وموانئه واتصالاته إلى وسائل ضغط في حرب لا تختار دول المنطقة توقيتها ولا تتحكم وحدها في مسارها؟
هذا السؤال ينقلنا من محاولة التنبؤ بالحرب إلى فهم طبيعتها والاستعداد لتداعياتها. فالخطر لا يُقاس باحتمال وقوع المواجهة وحده، وإنما بحجم الضرر الذي قد تتركه، وقدرة الدول على احتوائه. وقد يظل التصعيد غير محسوم، لكن كلفة إهماله تجعل الاستعداد له ضرورة استراتيجية.
في مقال «الشيطان الإيراني هو التفاصيل»، بتاريخ 25 مايو 2026، تناولت أهمية النظر إلى ما وراء التصريحات والتفاهمات الظاهرة؛ فالعبرة بما تنتجه التفاصيل من التزامات، وما تتركه من منافذ لإعادة التموضع واستعادة أدوات الضغط. واليوم يعود هذا المعنى بقوة: أي تفاهم لا يحمي منشآت المنطقة وممراتها وحياة سكانها قد يوقف جولة من التصعيد، دون أن يعالج أسباب الجولة التالية.
وفي مقال «حوار الطرشان… وتوم وجيري في مضيق هرمز»، بتاريخ 29 مايو 2026، حضرت إشكالية الدوران في دائرة التهديد والتفاوض والتصعيد والتهدئة. وهي دائرة تستنزف المنطقة حين تصبح إدارة الأزمة بديلًا دائمًا عن حلها، ويصبح مرور الوقت مكسبًا لمن يستطيع إعادة بناء أدواته خلال فترات التوقف.
ثم جاء مقال «إيران بعد الحرب… هل تغيّر المشروع أم غيّر جلده؟»، بتاريخ 26 يونيو 2026، ليضع السؤال عند جوهره: هل تؤدي الضربات إلى تغيير السلوك، أم إلى تغيير الوسائل التي يُمارَس بها؟ وهذا التمييز ضروري اليوم؛ فقد تنخفض قدرة إيران على المواجهة المباشرة، بينما تبقى لديها وسائل لتعطيل مصالح الآخرين.
إضعاف القدرة العسكرية لا يعني بالضرورة إنهاء القدرة على الابتزاز.
فالطرف الذي يعجز عن فرض انتصار قد يسعى إلى منع خصومه وجيرانه من الاستقرار. لا يحتاج إلى احتلال المدن؛ قد يكفيه تهديد الملاحة، أو تعطيل منشأة حيوية، أو رفع كلفة التأمين والشحن، حتى يجعل دولًا أخرى تدفع جزءًا من فاتورة صراعه.
وهذا هو منطق نقل الكلفة: أن تتعرض إيران للضغط، فتعمل على تحويل خوف جيرانها من الضرر إلى ضغط مضاد على واشنطن. وبذلك يصبح الخليج مطالبًا بالتدخل لوقف التصعيد، تحت تهديد أن تطاله تبعاته، حتى إن لم يكن مشاركًا فيه.
والقلق على البنية المدنية يستند إلى وقائع تتجاوز التخمين. فالبيان الوزاري المشترك المنشور لدى الخارجية التركية في 19 مارس 2026 أدان هجمات إيرانية استهدفت، بحسب البيان، منشآت نفطية ومحطات تحلية ومطارات ومناطق سكنية. وهو موقف رسمي متعدد الأطراف يضع حماية المدنيين والخدمات الأساسية في صلب الأزمة.
كما نقلت رويترز في 26 أكتوبر عن مسؤولين أمنيين إيرانيين إعداد خطط لاستهداف كابلات بحرية خليجية إذا تجدد الهجوم الأمريكي والإسرائيلي. وهذه معلومة منسوبة إلى مصادر، وليست إعلانًا رسميًا عن قرار بالتنفيذ؛ لكنها تستدعي أخذ احتمال امتداد الاستهداف إلى البنية الرقمية بجدية.
تكمن خطورة هذا النوع من الصراع في أن البنية المدنية منظومة مترابطة. فالكهرباء تدخل في تشغيل المياه والاتصالات، والاتصالات ترتبط بالمصارف والخدمات اللوجستية، والموانئ والمطارات تؤثر في الإمدادات وحركة الاقتصاد. وقد تتجاوز نتائج إصابة منشأة واحدة حدودها المباشرة، لتنتقل إلى خدمات وقطاعات لم تتعرض للهجوم.
لذلك، فإن قياس قوة الدفاع بعدد الصواريخ والمسيّرات التي أُسقطت يظل ناقصًا. المعيار الأوسع هو استمرار الحياة: هل تصل المياه؟ هل تعمل المستشفيات؟ هل تستمر المدفوعات والإمدادات؟ وكم يستغرق إصلاح الضرر؟
كلما استطاعت الدولة امتصاص الضربة واستعادة خدماتها سريعًا، تراجعت القيمة السياسية للتهديد بها. ومن هنا تصبح القدرة على الصمود والتعافي جزءًا أصيلًا من الردع، وليست مجرد إجراء يأتي بعد وقوع الضرر.
وفي مقال «أمريكا بدأت تفكيك إيران»، بتاريخ 2 سبتمبر 2026، كان النظر منصبًا على تفكيك أدوات القوة التي تمكّن طهران من تحويل موقعها وقدراتها إلى وسائل ضغط. لكن هذا المسار يطرح اليوم سؤالًا مكملًا: هل يؤدي تفكيك بعض الأدوات إلى إنهاء التهديد، أم إلى انتقاله نحو أهداف مدنية واقتصادية أشد حساسية؟
وفي مقال «هل أمريكا جادة في فتح مضيق هرمز للعالم؟»، بتاريخ 2 سبتمبر 2026، برز الفرق بين فتح المضيق خلال مواجهة، وبناء نظام يمنع تكرار إغلاقه. وهذا الفرق ينطبق على أمن الخليج كله: حماية منشأة في جولة عسكرية لا تنهي إمكانية تحويلها إلى رهينة دائمة في جولات التفاوض.
إن تدمير أدوات التعطيل قد يحقق مكسبًا مؤقتًا، لكن استدامة الأمن تحتاج إلى ترتيبات تمنع إعادة بنائها، وتقلل أثر استخدامها، وتربط أي تسوية بضمانات قابلة للاختبار. وإلا فإن المنطقة ستظل تعود إلى نقطة البداية، وإن اختلفت أسماء الاتفاقات.
أما التوقيت الأمريكي، فيبقى عاملًا مؤثرًا دون أن يتحول إلى موعد مؤكد للحرب. فقد نقلت أسوشيتد برس تحذيرات أمريكية لحلفاء إقليميين بشأن احتمال تجدد الضربات بعد انتخابات الثالث من نوفمبر، والاستعداد لرد إيراني على منشآت حيوية، مع تأكيد مصادرها أن القرار النهائي لم يُتخذ. وأوردت أيضًا تعزيزات عسكرية أمريكية؛ وهي مؤشرات استعداد وضغط، لا إثبات لقرار التنفيذ.
فالانتخابات تؤثر في حسابات القرار، لكنها لا تختصرها. هناك أهداف العملية، وجاهزية القوات، وكلفة الطاقة، وردود الحلفاء، واحتمالات توسع المواجهة. كما أن مصالح واشنطن وإسرائيل ودول الخليج ليست متطابقة بالضرورة؛ فما يعدّه طرف إنجازًا عسكريًا قد يترك طرفًا آخر أمام اضطراب اقتصادي وأمني طويل.
لهذا تحتاج السعودية ودول الخليج إلى تعريف مستقل للنجاح، يقوم على حماية أراضيها وسكانها واستمرار تنميتها، ومنع فرض معادلة تجعل أمنها ثمنًا لتسويات تُصاغ خارجها.
وتبرز هنا أهمية توسيع التعاون الدفاعي الإقليمي مع تركيا وباكستان ومصر. فقد أوردت رويترز اجتماع مسؤولين سعوديين وأتراك وباكستانيين مع الجانب الإيراني في 26 أكتوبر، وأشارت إلى اتفاق دفاعي بين الدول الثلاث وإقرار مصر دعمًا دفاعيًا للمملكة. لكن هذه المعطيات لا تعني تلقائيًا قيام التزام رباعي موحد، أو تطابق شروط التدخل لدى جميع الأطراف.
وتتحدد قيمة هذه الترتيبات بما تستطيع إنجازه وقت الأزمة: سرعة التشاور، وتبادل الإنذار، وحماية الأجواء والملاحة، وتوفير الدعم، واستمرار الإمداد. وقد تتفق الدول على الدفاع عن أراضي شريك، وتختلف بشأن المشاركة في عمليات خارجها. تجاهل هذه الفروق يصنع توقعات أكبر من الالتزامات الفعلية، ويضعف الثقة عند أول اختبار.
ولا يتعارض بناء الردع مع استمرار التواصل مع طهران. بل إن الجمع بين قدرة دفاعية واضحة وقنوات تفاوض موثوقة قد يقلل خطر سوء التقدير. فالشركاء الذين يستطيعون التواصل مع الطرفين يمكنهم توضيح حدود الموقف السعودي والخليجي، ومنع تفسير ضبط النفس على أنه ضعف، أو الاستعداد الدفاعي على أنه قرار بالهجوم.
المطلوب أن تكون الرسالة واضحة: أمن الخليج ليس قابلًا للمقايضة، وحماية المدنيين والمرافق الأساسية التزام ثابت، والدبلوماسية طريق لتخفيف التصعيد حين تستند إلى احترام السيادة ووقف التهديد.
وفي تقديري، فإن المرحلة المقبلة تفتح ثلاثة مسارات رئيسية، دون أن تسمح المعلومات المتاحة بالجزم بأحدها.
المسار الأول هو تهدئة تفاوضية تحت ضغط القوة، تُؤجَّل فيها العمليات مقابل تفاهمات جزئية. وقد يكون ذلك فرصة حقيقية إذا أنتج التزامات قابلة للتحقق، لكنه يصبح استراحة مؤقتة إذا اقتصر على تخفيض الخطاب وترك أدوات التعطيل على حالها.
والمسار الثاني هو تجدد ضربات محدودة تتبعها ردود موزعة، مباشرة أو عبر حلفاء إيران، وفي مجالات بحرية أو سيبرانية. وهذا مسار يستحق استعدادًا جادًا؛ لأن أطرافه قد تستمر في إعلان عدم رغبتها في حرب شاملة، بينما تتراكم الأضرار على دول المنطقة واقتصاداتها.
أما المسار الثالث فهو اتساع المواجهة نتيجة خطأ في الحساب، أو ضربة تُفهم باعتبارها تهديدًا لبقاء النظام، أو استهداف مدني واسع يجعل التراجع أصعب سياسيًا. وقد تنشأ الحرب الأوسع من تتابع الردود، حتى إن لم يكن أي طرف قد اختارها منذ البداية.
وأخطر ما في هذه المسارات هو الاعتقاد بأن وصف الضربة بأنها «محدودة» يضمن محدودية نتائجها. فالطرف الذي يختار بداية العملية لا يحتكر قرار نهايتها، ولا يتحكم بجميع الساحات التي يمكن أن يمتد إليها الرد.
ولهذا ينبغي أن تسير حماية الخليج في ثلاثة اتجاهات متزامنة: تكامل دفاعي أكثر فاعلية، وقدرة مدنية على استمرار الخدمات والتعافي، ودبلوماسية تربط التهدئة بالتزامات واضحة. ويتطلب ذلك التعامل مع هرمز وباب المندب ضمن رؤية مترابطة لأمن التجارة والطاقة؛ لأن الضغط قد ينتقل من ممر إلى آخر، ومن البحر إلى المنشآت، ومن المنشآت إلى شبكات الاتصال.
ومن هنا تتصل الأسئلة التي طرحتها في مقالاتي السابقة بسؤال المرحلة المقبلة: كيف يتحول التفوق العسكري إلى أمن مستدام؟ وكيف تُمنع إعادة إنتاج الابتزاز بعد كل جولة؟
تتوقف الإجابة على ما يصاحب القوة من ترتيبات سياسية وأمنية. فالضربات وحدها لا تبني نظامًا إقليميًا مستقرًا، كما أن التفاوض وحده لا يضمن تغير السلوك. الاستقرار يحتاج إلى قوة تحميه، والتزامات تضبطه، ومصالح تجعل احترامه أكثر جدوى من تقويضه.
إن ما يحتاجه الخليج هو إنهاء المعادلة التي تسمح لأي طرف بأن يهدد حياة الناس كلما تعثرت مفاوضاته أو تعرض للضغط. وهذه مهمة تتجاوز انتظار القرار الأمريكي، وتستدعي دورًا سعوديًا وخليجيًا فاعلًا في صياغة شروط الأمن الإقليمي.
فالانتصار الذي يحتاجه الخليج هو أن تبقى مدنه تعمل، ومياهه تصل، ومطاراته مفتوحة، وقراره مستقلًا؛ وأن يفقد أي طرف القدرة على تحويل الحياة اليومية لملايين الناس إلى ورقة تفاوض.
*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*






