اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

حين يتطاول الصغار على مقامات الكبار!

حين يتطاول الصغار على مقامات الكبار!

بقلم / حسين علي بن بدر الجابري
الخميس 29 اكتوبر 2026

ليس كل من أمسك قلمًا أصبح كاتبًا، ولا كل من خاض في الشأن العام أصبح صاحب رأي، ولا كل من حاول النيل من مقام الرجال صار ندًّا لهم. فالمقامات لا تُنال بالهمز واللمز، والزعامات لا تهزّها مقالات من يبحث عن ضوءٍ لم يستطع الوصول إليه من باب الاحترام والمكانة.
أما التطاول على الزعامات ومحاولة النيل من مكانتها بأساليب الهمز واللمز، فذلك لا يدل على قوة الحجة، بل يكشف عن ضعف الموقف وسوء الأسلوب. فالرجال تُوزن بمواقفها وأفعالها، لا بصوتها المرتفع ولا بكثرة نباحها في وجه القوافل.
ومن أراد الحديث في الشأن العام، فليبدأ بإصلاح شأنه الخاص، وليراجع سجله ومواقفه قبل أن ينصّب نفسه وصيًّا على الناس، ويوزّع عليهم دروس الحكمة والأخلاق. فليس من الحكمة أن يتصدر المرء للحديث عن القيم والمبادئ، بينما تلاحقه انتقادات تتعلق بسلوكه وتعامله وماضيه السئ ؛ ومن أراد أن يكون قدوةً للناس، فعليه أن يكون أول الملتزمين بما يدعو إليه.
ثم إن الزعامة ليست لقبًا يُمنح بالأهواء، ولا مقامًا يُنال بالتشويه والتجريح، وإنما هي مسؤولية ومكانة تُبنى على الثقة والقبول والتاريخ والمواقف. ومن لم يحظَ بالتوافق والقبول بين أصحابه، فالأجدر به أن يراجع نفسه، لا أن يتخذ من الإساءة إلى الآخرين وسيلةً لفرض حضوره.
أما الهمز واللمز والتجريح، فهي أخلاق سوقية لا تليق بمن يدّعي الحكمة أو يتحدث باسم المجتمع. ومن عجز عن مواجهة الرجال بالحجة والبيّنة، لجأ إلى التلميح والتشهير، ظنًّا منه أن الإساءة تصنع له مكانة، وما علم أن المرء قد يلفت الأنظار لحظةً، لكنه لا يكتسب الاحترام بالصخب والضجيج.
وكما أن القافلة لا تتوقف عند نباح الكلاب، فإن أصحاب المقامات الراسخة لا تهزّهم محاولات النيل منهم، ولا تنقص من قدرهم أصوات تبحث عن صدى. فالكلاب الضالة لا تخلو منها القوافل، لكن العاقل لا يترك طريقه لينشغل بكل ناعق.
لا يمكن السكوت على المواقف ((النادرة)) في إثارة الفتن والتطاول على مقامات الرجال فالتاريخ لا يرحم ولا يحفظ كرامة لمن يزرع الفرقة كثرة كلامه، بل يحفظه لمن جمع الناس وأصلح بينهم وصان كرامتهم.
ونقولها بوضوح: من حق كل إنسان أن يعبّر عن رأيه وينتقد المواقف، لكن ليس من حقه أن يتخذ النقد ستارًا للإساءة والتشهير أو النيل من رموز الزعامات فالاختلاف لا يبرر قلة الأدب، والرأي لا يمنح صاحبه حصانةً من المساءلة.
ستبقى الزعامه أكبر من الأشخاص، ومقامها أرفع من المهاترات، ورأسها لا يُنتقص منه بكتابة مقال أو إطلاق تلميح. ومن أراد أن يكون له شأن بين الرجال، فليأتِ بموقفٍ يشهد له، وعملٍ ينفع الناس، وكلمةٍ تجمع ولا تفرّق؛ أما الضجيج، فسرعان ما يتلاشى، وتبقى المواقف شاهدةً على أصحابها.
فالزعامة تُثبتها المواقف، والرجولة تشهد لها الأفعال، أما من اتخذ من الطعن في الآخرين سلّمًا للصعود، فسيكتشف يومًا أن السلالم المصنوعة من الإساءة لا تقود إلا إلى السقوط.

إغلاق