بين نكران البشر وعطاء السماء: هل حقاً “خيراً تعمل.. شراً تلقى”؟
بقلم /م. علي عبود الجابري
الخميس 22 اكتوبر 2026
تتردد على ألسنة الكثيرين عند مواجهة الجحود أو الخيبة عبارةٌ أضحت كالقانون المكتوب في الموروث الشعبي: “خيراً تعمل، شراً تلقى”. عبارة تنزف يائساً، وتُلقي بظلالها الثقيلة على النفوس، حتى كادت تصبح حجّةً لرفع الأيدي عن المعروف، وإغلاق أبواب الإحسان، والتخلّي عن أسمى ما يجمل حقيقة الإنسان.
لكن، هل تصمد هذه المقولة أمام نقد العقل وحقيقة الإيمان؟ أم أنها مجرد صرخة عابرة أطلقها مجروح، فتلقفها الخائفون واعتمدها المتراجعون؟
أولاً: خديعة الشغف بالجزاء البشري
تكمن المشكلة الأساسية في هذه المقولة في “مكان الترقب”. إن من ينتظر من الناس أن يردوا له الجميل بمثله، كمن يزرع ورداً في أرض غيره ثم يلوم الرياح لأنها أخذت العطر إلى مكان آخر!
البشر محكومون بضعفهم، بتقلب أمزجتهم، وبنوازع الأنا والنسيان التي تجعل بعضهم يقابل اليد التي امتدت لإسعافه بالصَفْعِ أو الجحود. وحين نربط قيمة العطاء بردة فعل اللئيم، نكون قد سلمنا مفاتيح إحساننا ونقاء سريرتنا لمن لا يقدر قيمتهما. إن الخطأ لم يكن في فعل الخير ذاته، بل في انتظار المكافأة من العنوان الخاطئ.
ثانياً: المعادلة الإلهية.. الأجر الحقيقي لا يضيع
حين يُزيح المرء ثقل التوقعات البشرية عن كاهله، ويتجه بقلبه نحو المرجع المطلق للعدل والرحمة، تتغير المعادلة برمتها. إن التعامل مع الله سبحانه وتعالى لا يعرف الخسارة؛ فهو الشكور الذي يقبل القليل ويثيب عليه بالتضعيف، وهو الذي لا ينسى مثقال ذرة من خير.
وقد جسّد القرآن الكريم هذه الحقيقة الإيمانية الناصعة في قوله تعالى على لسان عباده الأبرار:
> { إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا }
> (سورة الإنسان: الآية 9)
>
إن هذه الآية ليست مجرد دستور للصدقة، بل هي مصل أمان للروح ضد صدمات الجحود. من يغرس الخير ابتغاء وجه الله، يملك حصانة نفسية تجعله يبتسم حتى لو قوبل بالجفاء، لأنه يعلم يقينًا أن صحيفته عند الله قُرِئَت، وأن الأجر قد كُتِب، وأن البركة ستعود عليه في صحته، أو أهله، أو سكينة قلبه، أو يوم يلقى ربه.
ثالثاً: النبل في زمن الجفاف
إن ترك الخير خوفاً من جحود الناس هو هزيمة للفضيلة أمام الرذيلة. لو توقف كل محسن عن إحسانه لمجرد أنه واجه لئيماً، لأصبحت الحياة صحراء قاحلة لا أمان فيها ولا تراحم.
إن الإحسان الحقيقي هو ذاك الذي يُمارس بوصفه استحقاقاً أخلاقياً ذاتياً، لا صفقات تجارية ينتظر صاحبها الربح السريع. فاليد التي تعطي تزداد شرفاً، والقلب الذي يمنح يتسع بالحب، حتى وإن كان من حوله لا يفهمون لغة النبل.
خاتمة: إعادة صياغة المفهوم
دعونا نُسقط هذه المقولة السلبية من أدبياتنا اليومية، ولنستبدل بها قانون العطاء الشامل:
*“خيراً تعمل.. خيراً تجد عند الله، ولو لقيت جحوداً من العالم أجمع.”*
افعل الخير واغرس بذرتك في كل أرض، فإن لم يثمر في قُلوب البشر، فإن ثمرته عند الله مضاعفة، ونورها سيمتد ليضيء لك ظلمات الطريق في الدنيا والآخرة.






