أبواب الجنة المنسية (1) باب برّ الوالدين .. قبل أن يُغلق الباب إلى الأبد!
بقلم/ أ. علي عباس بن طالب
الخميس 22/أكتوبر/2026م.
*▪️يا ابن آدم، توقّف قليلًا، وضع هاتفك جانبًا، وأغمض عينيك لحظة، وتخيّل أن أمك التي تناديك اليوم قد غابت عن الدنيا، وأن أباك الذي ينتظر عودتك إلى البيت لم يعد يجلس في مكانه المعتاد!*
*تخيّل أنك تعود إلى منزلك، فلا تسمع صوت أمك، ولا تجد أباك جالسًا ينتظرك، ولا تجد تلك الدعوات التي كانت تلاحقك أينما ذهبت!*
*حينها ستدرك أن هناك أشياء لا تُشترى بالمال، وأن هناك أصواتًا إذا غابت لا تعود، وأن هناك أبوابًا من أبواب الجنة كانت مفتوحة أمامك، لكنك ربما مررت بجوارها منشغلًا بالدنيا!*
*إنه باب برّ الوالدين؛ الباب العظيم الذي يغفل عنه بعض الأبناء، رغم أنه من أعظم أبواب الخير والقرب من الله!*
*يا من تركض خلف مصالحك، هل سألت نفسك يومًا: كم مرة انتظرت أمك عودتك، وكم مرة نام أبوك وهو يحمل همّ مستقبلك، وكم مرة أخفيا عنك تعبهما حتى لا تشعر بوجعهما؟*
*أمك التي سهرت عندما كنت مريضًا، وخافت عندما تأخرت، ودعت لك عندما غفلت عن نفسك، وربما أخفت دمعتها حتى لا تزيد همومك.*
*وأبوك الذي أفنى سنوات عمره في السعي لتوفير احتياجاتك، وتحمل المشقة كي يراك واقفًا على قدميك، وربما كتم ألمه، وأخفى حاجته، حتى لا تشعر بأنك عبء عليه.*
*ثم تكبر، وتنشغل، وتصبح لك مصالح وأصدقاء وأعمال، وربما يصبح وقتك أضيق من أن تجلس معهما دقائق، بينما تجد ساعات طويلة لكل ما تحب .. فيا لقسوة القلب حين يتسع لكل شيء، إلا لمن كانا سببًا في وجوده بعد الله!*
*ماذا يقول القرآن عن بر الوالدين؟ قال الله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾*
*تأمّلوا عظمة هذه الآية! لم ينهنا الله عن ضرب الوالدين أو إهانتهما فحسب، بل نهانا حتى عن كلمة «أفٍّ»، وهي كلمة تضجرٍ وتبرّم، وأمرنا أن نخاطبهما بالقول الكريم.*
*فكيف بمن يرفع صوته على أمه؟! وكيف بمن يجرح قلب أبيه؟! وكيف بمن يحرمهما من السؤال والزيارة، أو يجعلهما يشعران بأنهما عبء ثقيل عليه؟!*
*إذا كان القرآن قد نهانا عن أدنى مراتب التضجر، فكيف نرضى لأنفسنا أن نؤذي من أفنيا أعمارهم في رعايتنا؟*
*أخطر ما في العقوق أن صاحبه قد لا يشعر به .. ليس العقوق دائمًا صراخًا أو ضربًا؛ فقد يكون تجاهلًا متكررًا، أو كلمةً جارحة، أو إهمالًا لحاجة الوالدين، أو تركهما يواجهان المرض والوحدة مع القدرة على مساعدتهما.*
*وقد يكون في أمٍّ لا تريد من ابنها مالًا، بل تريد أن تسمع صوته، وفي أبٍ لا ينتظر هديةً ثمينة، بل يتمنى أن يجلس ابنه بجواره ويسأله عن صحته.*
*وفي والدين لا يحتاجان إلى كثرة الوعود، بل إلى حضورٍ صادق، ورحمةٍ عملية، واهتمامٍ لا يشعرهما بأنهما آخر قائمة أولويات أبنائهما.*
*يا من تقول: «أنا مشغول»، تذكّر أن والديك كانا مشغولين أيضًا، لكنهما خصصا لك من وقتهما وجهدهما وعمرهما ما لا تستطيع أن تحصيه!*
*ويا من تقول: «سأبرّهما عندما تتحسن ظروفي»، تذكّر أن البر ليس مالًا فقط؛ قد يكون اتصالًا، أو زيارةً، أو كلمةً طيبة، أو خدمةً بسيطة، أو دواءً تشتريه، أو حاجةً تقضيها، أو دعوةً صادقة.*
*لا تجعل الفقر عذرًا لترك الرحمة، ولا تجعل الانشغال حجةً لإهمال من يحتاج إلى قربك.*
*هل تريد بابًا عظيمًا من أبواب الجنة؟ قال رسول الله ﷺ: «رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ». قيل: مَن يا رسول الله؟ قال: «مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ» رواه مسلم.*
*تأمّلوا هذا التحذير النبوي العظيم .. إن إدراك الوالدين في الكبر فرصة عظيمة للبر والإحسان، وفرصة قد لا تتكرر؛ حين يحتاجان إلى الصبر، والرعاية، والرفق، وحسن الصحبة.*
*فلا تجعل مرحلة ضعفهِما أشد المراحل ألمًا عليهما بسبب قسوة أبنائهما، إذا كرّر أبوك الحديث، فاصبر عليه، وإذا نسيت أمك بعض الأشياء، فارفق بها، وإذا احتاجا إلى مساعدتك في أمرٍ تراه بسيطًا، فلا تشعرهما بالذل أو المنة.*
*فقد حملوك صغيرًا حين كنت لا تستطيع خدمة نفسك، فلا تستثقل خدمتهما حين يحتاجان إليك.*
*رسالة إلى من فقد أمه أو أباه .. إن كنت قد فقدت أمك، فلا تجعل الحزن وحده آخر ما تقدمه لها؛ ادعُ لها، واستغفر لها، وتصدّق عنها، وصِل رحمها، وأكرم من كانت تحبهم، وأحسن إلى الناس.*
*وإن فقدت أباك، فلا تنسَه من دعائك، وواصل ما تستطيع من وجوه الخير، وأحسن إلى أهله وأصدقائه، واسأل الله أن يرحمه رحمةً واسعة.*
*قال الله تعالى في دعاء المؤمنين: ﴿رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾*
*وإن كان أحد والديك ما زال حيًّا، فلا تؤجل برّه انتظارًا لمناسبة أو ظرفٍ مثالي، فكم من إنسانٍ يتمنى اليوم مكالمةً واحدة من أمه، وكم من إنسانٍ يتمنى لو عاد به الزمن ليقبّل رأس أبيه، بينما أنت تملك هذه الفرصة اليوم ولا تدري كم بقي لك منها!*
*تنبيه مهم: بر الوالدين لا يعني طاعةً في المعصية .. الإسلام الذي أمرنا ببر الوالدين هو نفسه الذي أمرنا بطاعة الله والتمسك بالحق، فإذا أمراك بمعصية، فلا طاعة لهما في المعصية، لكن يبقى واجب الإحسان والصحبة بالمعروف ،قال الله تعالى: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾*
*فالبر ليس ضعفًا، وليس تنازلًا عن الحق، بل أخلاقٌ ورحمةٌ وإحسان، حتى عند الاختلاف.*
*نداء أخير إلى كل ابنٍ وابنة .. قبل أن تغلق هاتفك، اتصل بأمك إن كانت حية، واسأل عن أبيك، وقل لهما كلامًا طيبًا، واجلس معهما إن استطعت، واقضِ حاجتهما، واعتذر إن أخطأت في حقهما.*
*لا تنتظر أن ترى سريرهما فارغًا حتى تبكي، ولا تنتظر أن تسمع الدعاء لهما بعد موتهما حتى تعرف قيمة الدعاء الذي كانا يرفعانه لك في حياتهما.*
*لا تجعل الآخرين يتحدثون عنك باعتبارك ابنًا ناجحًا في عمله، لكنه مقصّر في حق والديه.*
*ولا تجعل نجاحك الاجتماعي يخفي فشلًا أخلاقيًّا في أعظم حقوق الأسرة.*
*فالنجاح الحقيقي ليس أن تصل إلى أعلى المناصب وتترك والديك وحيدين، بل أن تنجح في حياتك، وتحفظ لهما حقهما، وتعاملهما بالرحمة والوفاء.*
*خلاصة الرسالة: باب بر الوالدين لا يحتاج إلى ثروة، ولا إلى شهرة، ولا إلى منصب؛ بل يحتاج إلى قلبٍ يعرف الجميل، ولسانٍ طيب، ويدٍ تخدم، ووقتٍ تمنحه، ورحمةٍ لا تتوقف عند أول مشقة، برّ والديك اليوم، قبل أن يصبح كل ما تتمناه منهما دعاءً لا تسمعه، وصوتًا لا يعود، وذكرى تتمنى لو عشتها مرةً أخرى!*
*من سلسلة: أبواب الجنة المنسية*






